الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / ميشيل كيلو لـ«القبس»: الثورة لم تفشل.. والنظام سيتغيّر

ميشيل كيلو لـ«القبس»: الثورة لم تفشل.. والنظام سيتغيّر

د. حامد الحمود |

التقيت المعارض السوري ميشيل كيلو مرات عدة خلال مؤتمرات في تونس، كما التقيته في باريس مقر إقامته، منذ أن اندلعت الثورة السورية عام 2011.
أما لقائي الأخير معه فكان خلال زيارتي الأخيرة إلى باريس في 19 يونيو 2018، حيث التقيته في الفندق الذي سكنت فيه في منطقة سان ميشيل، وكان اللقاء عفويا، لقاء عربيّين وطدت علاقتهما الهموم المشتركة، خصوصاً الهمّ السوري.
صحيح أن القبس أرسلت لي بضعة أسئلة لكي أطرحها على الأخ ميشيل، لكن لقاءنا، الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات، غطى أكثر من الإجابة على تلك الأسئلة، وساعد على ذلك تلقائية الأخ ميشيل وحرصه على التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالشأن السوري والهموم العربية. لكن قبل أن أقدم إجابات الأستاذ ميشيل، لا بد من تقديم فكرة عن حياته للقارئ.
ولد ميشيل كيلو في اللاذقية عام 1940، ومع أن والده كان يعمل في سلك الشرطة، إلا أنه كان واسع الثقافة، وبعد أن أنهى تعليمه عمل في وزارة الثقافة، وكان ناشطا في اتحاد الأدباء السوريين.
انتسب ميشيل إلى الحزب الشيوعي السوري، وكان أحد المشاركين في صياغة إعلان دمشق، وتعرض للاعتقال مرات عدة، كانت الأولى في السبعينات، واعتقل مرة أخرى عام 2006 على خلفية توقيعه إعلان دمشق، وصدر عليه حكم بالسجن ثلاث سنوات في عام 2007، ثم أطلق سراحه عام 2009.
تلقائية ميشيل كيلو تجعل الحديث معه لا يُمل، فتحليلاته بسيطة وعميقة وجاذبة، خصوصا إن جاءت عبر الاستماع إليه.
وفي ما يلي تفاصيل اللقاء:

● بعد كل هذه السنوات من المحنة السورية وفشل الثورة في تحقيق أهدافها، هل تشعرون أنكم أخطأتم في تقدير الوضع السوري؟
ــــ نعم ارتكبنا أخطاء جدية، أولها وأهمها أننا لم نأخذ بصورة جدية واقع مجاورتنا لإسرائيل، وأن إسرائيل لا تقبل بنظام ديموقراطي في سوريا خرج الشعب إلى الشارع للمطالبة به، ولو سقط النظام في سوريا لكان النظام الديموقراطي على الأرجح هو البديل.
إسرائيل لا تريد في سوريا أو في غيرها شعبا يتمتع بالحرية، لديه حكومة منسجمة إلى حد كبير، وبصورة نسبية، مع مطامحه، تعامله بالقانون، يتمتع بشيء من العدالة والمساواة، والمشكلات البنيوية الموجودة في بلده قابلة للحل في إطار الديموقراطية والتفاهمات الوطنية، إسرائيل لا تقبل ذلك، ولو سمحت به لكان لديها تحد مصيري من بلد كسوريا خلال السنوات العشرين المقبلة. هذه النقطة لم يأخذها المعارضون بعين الاعتبار.
الخطأ الثاني هو إفراط الكثير من المعارضين في الاعتقاد بأن هناك تدخلا خارجيا سيطيح بـ(الرئيس السوري بشار) الأسد وانه ليس من الضروري ان ينظموا هم انتقال التمرد الشعبي الكبير إلى حالة ثورة، لأنه لن يكون هنالك وقت أو حاجة لذلك، بما ان النظام سيسقط على يد الخارج، وأن المهمة المطروحة عليهم على العمل على أخذ أكبر حصة ممكنة من السلطة المقبلة بعد الأسد، بمعنى أن ينظموا أمورهم ليتنافسوا من موقع قوة مع سواهم، وهذا كان خطأ جسيماً أدى إلى تجاهل الداخل ودوره كرافعة للثورة، وإلى زرع ساحة الثورة بالمشاحنات والتجاذبات والخلافات الكثيرة، التي بقيت إلى اليوم، كانت في البداية حول السلطة ثم اصبحت حول كل شيء، وجوهرها فكرة المحاصصة، هذا لي وهذا لك، ويجب ان يكون ما هو لي هو أكبر بكثير.

دور إسرائيل
لكن يبقى السؤال: من ارتكب هذ الاخطاء؟ هل كل المعارضين؟ لا أعتقد ذلك، أعتقد ان جل المعارضين ارتكبوا هذه الأخطاء، فقد كان هناك معارضون كثيرون ينبّهون إلى أن التدخل الخارجي لن يحصل، وحتى لو حصل فيجب ان يكون مساعدا للداخل، وعلينا ان نعطي الاولوية لتنظيم الداخل، وان نبني ثورة بكل معنى الكلمة، وان ننهي حالة الفوضى والانقسام والتشرذم والخلافات، كما ان هناك من لفت الانظار إلى مسألة مجاورتنا لإسرائيل وما يترتب عليها من استخلاصات ووقائع استراتيجية، ربما كانت تتحدى قدرتنا كثورة تقوم بنشاط من أجل تغيير النظام وإصلاح الأوضاع، وكان علينا فعلا أن نراعي هذه النقطة.

هيئات المعارضة
● كانت لك يد في تشكيل هيئات المعارضة.. أين أخطأت في خياراتك، خصوصاً أنك من أوصل أحمد الجربا إلى رئاسة الائتلاف؟
ــــ لم أوصل الجربا إلى رئاسة الائتلاف، بل كنت مؤيدا لذلك، هل تعتقد أنني قادر على إيصال الجربا إلى رئاسة الائتلاف لو كان هناك قرار تركي أو إقليمي او دولي بعدم إيصاله؟ أظن أن هناك مبالغة كبيرة في الحديث أن لي يدا في إيصاله.
كنت من الذين أيدوا رئاسة الجربا بناء على وثيقة فيها تقيّد كامل بكل الأسس التي يبنى عليها ائتلاف وطني ينتج عملا وطنيا ويعمل في إطار ديموقراطي ويتجه نحو بناء واقع ثوري في الداخل السوري ويوحّد الجيش والقوى المقاتلة وينهي الحالة الفصائلية ويبني سلطة بديلة لسلطة الأسد في المناطق المحررة، هذه كانت بنود الوثيقة التي انتُخب على أساسها الجربا رئيسا للائتلاف، وعندما لاحظت أن الجربا لا يتقيد بها طرحت في مرحلة مبكرة، بعد شهرين ونصف الشهر من انتخابه، فكرة أن تسحب الكتلة الديموقراطية – التي كنت رئيسها – تأييدها له. لست من أوصل الجربا إلى رئاسة الائتلاف. أوصلته اتفاقات إقليمية وداخلية بيننا.

الحرية والوحدة
وحول أنني ساهمت في تشكيل هيئات معارضة وأين أخطأت، فأعتقد أنني كنت واحداً من قلة قليلة تمسّكت بخيارَي الثورة الرئيسيين: الحرية ووحدة الشعب السوري، ولم أحد عنهما لحظة واحدة إلى اليوم، لا انا ولا أصدقائي الذين تعاونت معهم. كنا نقول دائما إن هذا هو برنامج الثورة، سوريا تريد حرية، والشعب السوري واحد. سوريا تريد حرية أي لا تريد دولة دينية أو مذهبية، والشعب السوري واحد أي انه ليس طوائف متقاتلة ومتحاربة. لم نحد لحظة عن هذه الخيارات. وإن كانت هذه الخيارات خاطئة فقد أخطأت. أما حول وجود أخطاء هنا او هناك في التقدير او في المعلومات فهذا شيء ينتمي إلى عالم السياسة وانا لا أنكره.

الثورة لم تفشل
واستكمالاً للإجابة، فإني لا أعتقد ان الثورة فشلت، إلا إذا كنت تعتقد أن انتصارها يعني وصول الثوار إلى دمشق، واعتقد أنه من سابع، وليس من رابع المستحيلات، أن يبقى النظام في سوريا على حاله، وهذا سيكون انتصارا كبيرا للثورة، ليس الانتصار الذي أرادته، لكنه انتصار.
إن الحديث عن فشل الثورة بعد سبع سنوات ونصف السنة من المقاومة، وبعد تقديم مليون شهيد، هو حديث غير واقعي، إن الثورة لم تفشل، ولن تفشل، وستحقق جزءاً كبيراً من اهدافها، لأن المحافظة على الوضع الراهن، الذي أنتج هذه الثورة، وسينتج غيرها، من رابع المستحيلات.

لا جلوس مع الأسد
● هل ترى نفسك ومن تمثّل جالساً إلى طاولة واحدة مع الأسد إذا حصلت تسوية؟
ــــ لا، قلت دائماً، وكتبت ذلك في مرحلة مبكرة من الثورة، أني سأنهي دوري فور ان تنتصر هذه الثورة، والآن أقول إنه بمجرد أن تكون هناك تسوية فإن النظام بعدها لن يبقى كما هو عليه، وأيضاً لن يكون لي عندها دور سياسي، الذين صنعوا الثورة هم من يجب أن يستكملوها ويقودها وان يخوضوا نضالاتها، وإن سألني أحد عن رأيي أو أراد استشارة فسأستجيب، لكنني لن امارس عملا سياسيا منظما، ولن أكون في الحياة السياسية المقبلة لسوريا، ولن أجلس مع الأسد أو مع أمثاله مهما حصل.

سقوط حلب
● كنت راهنت على أن واشنطن لن تقبل بسقوط حلب، فكيف ترى مستقبل إدلب؟
ــــ لم أراهن أبداً على أن واشنطن لن تقبل بسقوط حلب، ولم أقل ذلك أو أكتبه، بل كنت أراهن أن تركيا لن تقبل بسقوط حلب، وقلت أكثر من مرة لأصدقاء جاؤوا من حلب ولمجلس حلب المحلي: لا تخافوا. حلب لن تسقط، لأن سقوطها يعني سقوط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ثم تبدّل الوضع، بحيث أصبح عدم سقوط حلب يعني سقوط أردوغان، خاصة بعد أن تفاهم الروس والإيرانيون – بغض نظرٍ أميركي – على استعادة القسم الشرقي من حلب، وأصبح أمام أردوغان خيار صعب للغاية: إما ان يقبل بسقوط حلب مقابل أن يأخذ منطقة درع الفرات، أو أن تنتقل المشكلة السورية بقدها وقضيضها إلى داخل تركيا، بما يعنيه ذلك من احتمال ان يسقط أردوغان ونظامه، فقرر أردوغان أن يأخذ ما أعطي له (2000 كيلومتر في منطقة درع الفرات) وهي المنطقة المهمة بالنسبة له في ما يتعلق بالإرهاب، وكذلك بالنسبة للقضية الكردية، التي يعالجها اليوم في سوريا بدلا من معالجتها في تركيا، ثم عقدت تلك الصفقة.

تفاهم دولي
فعليا، ولفترة طويلة، كان سقوط حلب يعني سقوط أردوغان، لكن بعد ذلك التفاهم الدولي، قلت لمجلس حلب المحلي: انتبهوا، إذا لم تُسلّم حلب إلى الروس والإيرانيين والأسد فسيسقط أردوغان. انعكست الامور تماما. لكني لم أراهن لحظة واحدة على رفض واشنطن لسقوط حلب.
أما عن إدلب، فأرى أن المشكلة الكبرى فيها هي وجود «جبهة النصرة»، التي أسمت نفسها «هيئة تحرير الشام» وتزعم أنها حكومة إنقاذ، وهي التي فعليا تقوم بكل أنشطتها بالتنسيق مع النظام، فمع تحرك قوات النظام للهجوم على درعا بدأت «النصرة» تعد العدة للهجوم على «جبهة تحرير سوريا»، «النصرة» غير مقبولة ومشبوهة، وتثير القرف بالأجواء التي نشرتها، وكيف زعم عناصرها أنهم «مهاجرون» وجاؤوا إلى «الأنصار»، ثم هجّروا «الأنصار» وقتلوهم واستولوا على مناطقهم وأقاموا فيها نظاما لا يوجد أسوأ منه إلا نظام الأسد. وبالمناسبة، فإن نظام الأسد يشبه كثيرا نظام «النصرة».
أتصوّر أن مستقبل إدلب مرتبط بحل مشكلة «النصرة»، فإذا تم حل هذه المشكلة فستكون إدلب تابعة للمعارضة، وتحت إشراف تركيا، وإلا فستُزال النصرة والمعارضة وتركيا من إدلب وستعود إلى نظام الأسد بقوة الروس والإيرانيين و26 تنظيما من المرتزقة الذين جلبوهم من العالم السفلي، ولن يبقى للمعارضة في إدلب إلا بؤر صغيرة جدا، لأن إدلب ومنطقتها أصبحت كبيرة جدا بعد الانتشار التركي، فأصبحت تمتد على مشارف حماة وحلب والساحل.

دولة لا مركزية
● هل تتصور سوريا موحدة من جديد؟
ــــ نعم سوريا ستبقى موحدة، لكنها لن تبقى دولة مركزية كما هو الحال الآن، سيكون هناك مجموعة من الكيانات اللامركزية لكن في إطار دولة موحَّدة لها جيش موحد وسياسة خارجية موحدة وعملة موحدة.

حالة في الثورة

يقول الكاتب فؤاد عبد العزيز: «إن ميشيل كيلو حالة في الثورة، يجب أن نحافظ عليها، وأن نقبلها كما هي، قد لا يكون صالحا لتولي مناصب قيادية في المعارضة، لكن من جهة ثانية يمكن الاستفادة من فكره وتحليله السياسي. إن موقعه الأساسي في هذا الجانب. كما فعل برهان غليون عندما انتقل من العمل السياسي المباشر إلى التنظير السياسي والفوري».

الوسومالثورة السورية النظام السوري رئيسي سوريا ميشيل كيلوالمصدر : القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *