الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / «مسيرة العودة».. ما لها وما عليها

«مسيرة العودة».. ما لها وما عليها

القدس – أحمد عبدالفتاح|

اعادت «مسيرة العودة» التي انطلقت من قطاع غزة الجمعة الماضية بمناسبة «يوم الارض» تظهير عدة حقائق، والقت بعدد من الاسئلة برسم الفلسطينيين قيادة وشعباً باتت الاجابة عليها بمنزلة «امر اليوم» غير القابل للتأجيل او التسويف.
وفي عداد الحقائق البسيطة والعميقة التي طرحتها بقوة، انها ربطت على نحو جلي بين طرفي المعادلة الوطنية الفلسطينية: «الارض والعودة ووحدة الشعب في جميع اماكن تواجده» بعد ان كادت هذه المعادلة تدفن تحت ركام البرامج والاقتراحات التي اختصرت فلسطين ببعض الاراضي التي احتلت عام 1967، واصبح الحديث عن حق عودة اللاجئين الى مدنهم وقراهم التي هجروا منها عام 1948 نوعاً من الترف، ورفع العتب، في حين تطبخ بالسر والعلن مشاريع انهاء قضيتهم اما بتوطينهم حيث هم وإما باعادة تهجيرهم الى بلاد جديدة.

لقد اعادت «مسيرة العودة» قضية عودة اللاجئين الى الواجهة بصفتها اصل القضية الفلسطينية وجذرها، وان مرور سبعة عقود على النكبة، لم يغير من هذه الحقيقة، وكل ما تلاها من وقائع بما في ذلك الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة هي فروع نبتت على الجذر الاساسي للقضية الام التي اصبح موضوع تصفيتها هدفاً، لانها الشاهد الحي على الجريمة الاسرائيلية والاستعمارية التي ارتكبت بحقهم. ولان تجدد حضورها وبهذه القوة يخلخل جذور الاساطير المؤسسة التي نهضت عليها الدولة العبرية، من طراز «ارض بلا شعب لشعب بلا ارض»، «وارض الميعاد» وغيرها من مقولات مضللة.
الحقيقة الثانية التي افرزتها «مسيرة العودة» انها اعادت الاعتبار للنضال الجماهيري والسلمي، واكدت ان فعله وتأثيره في الشرط الفلسطيني الراهن، وفي ظل الاختلال الفادح بميزان القوى لمصلحة اسرائيل اكبر من غيره من الاشكال الاخرى لاعتماده في المرحلة الراهنة اداة رئيسية ان لم يكن لانتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية كاملة.
لقد اثبتت تجارب ملهمة كتجربة المؤتمر الوطني الافريقي في جنوب افريقيا، وناميبيا، وزيمبابوي وغيرها ان النضال الشعبي والسلمي يختزن قدرات هائلة لانجاز الاستقلال الوطني. وفي الحالة الفلسطينية فقد سجلت محطات عديدة ان هذا النضال سجل في رصيده انجازات عدة، ابرزها الانتفاضة الاولى (1992-1987) التي فرضت على دولة الاحتلال الاعتراف بمنظمة التحرير والجلوس معها على مائدة المفاوضات والتوصل لاتفاق «اوسلو» رغم ما فيه من مثالب ونواقص، كما انها بلورت الكيانية الوطنية الفلسطينية، خاصة بعد اعلان العاهل الاردني الراحل الملك حسين فك ارتباط الاردن مع الضفة الغربية. كما استطاعت هَبَّة المسجد الاقصى العام الماضي ارغام اسرائيل على تفكيك البوابات الالكترونية في باحات المسجد، والنتيجة ذاتها حققها عصيان كنيسة القيامة قبل شهرين واضطرت بلدية الاحتلال في القدس لالغاء قرارها بفرض ضرائب على املاك الكنائس، والقائمة تطول.

انضمام حماس
الجديد، واللافت الذي قدمته تجربة «مسيرة العودة» بصفتها تنتمي الى صنف النضال الشعبي والسلمي، هو انضمام حركة حماس ومن هم على مثالها من فصائل الى تبنيه والاعتراف به شكلاً شرعياً ومشروعاً للنضال، وهو ما سيشكل رافداً اساسياً له، ويغذيه بزخم شعبي ضروري لمواصلته واستمراره، بعد رحلة طويلة من الشك والتشكيك ليس فقط في جدواه، بل ونعته بشتى الصفات، ليس اقلها انه حجة للاستسلام والخنوع للاحتلال، وذريعة للتنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ان الدلالة السياسية لتجربة الجمعة الأول من «مسيرة العودة» شكلت قيمة مضافة للنضال الفلسطيني، حيث سلحت المفاوض والمقاوم الفلسطيني على حد سواء بسلاح فعال. إذ بوسع الرئيس محمود عباس، مدعوماً بزخم «المسيرة» وبارادة شعبية موحدة الاستمرار برفضه لــ«صفقة القرن» وافشالها، وان يذهب الى اي محفل في الدنيا والقول دون تلعثم وبلسان فصيح ان لا تنازل عن اي حق من الحقوق الوطنية المشروعة باقامة الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية، وحق تقرير المصير والعودة. وبوسع المقاوم ان يتسلح بما احدثته «مسيرة العودة» من تغييرات مهمة في المشهد الفلسطيني، حيث وفرت أساساً صلباً للبناء على نتائجها الاولية، لجهة تسليط الاضواء على الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية، ومأساة الحصار المضروب على قطاع غزة وضرورة انهائه، وتأكيد البعد السياسي والوطني لهذه المأساة وعدم حصرها بالجانب الإنساني فقط على اهميته، واعادة تأكيد عدالة القضية الفلسطينية ونبل واجب النضال في سبيلها للخلاص من اخر احتلال استيطاني على وجه الأرض.

هنات ونواقص
بيد ان ما افرزته «مسيرة العودة» من نتائج هامة لا تعفي من ضرورة الاضاءة على ما اعتراها ورافقها من هنات، ونواقص، ومنها: ان ساحة الفعل الاساسية لها حتى الآن اقتصر الى حد ما على قطاع غزة، مقابل مشاركة ضعيفة ومتفرقة في الضفة الغربية، الامر الذي يعني في حال استمراره، وعدم تداركه، الى انحسار الطابع الوطني الشامل عنها، وانكفاء مطالبها وشعارتها واختزالها بالجوانب الانسانية التي تخص القطاع واهله، دون الضفة الغربية التي بات مصيرها مطروحاً على محك الاستيطان، وهو ما سيفضي الى تكريس الانقسام بينهما وانفصال مصيرهما.
الى ذلك، واذا ما تجاوزنا عبارات التبجيل التي خلعت على «مسيرة العودة» رغم صحة اكثرها. وفتشنا في الصدور، وقرأنا السرائر، ليس عسيراً العثور على اهداف فئوية مضمرة تخفيها حركة حماس التي تتصدر مشهد زعامة «المسيرة». فهي تعرف اكثر من غيرها حجم المأساة المتراكمة في غزة، والغضب الذي يعتمل في اوساط الغزيين جراء الحصار والجوع والعطش والعتمة، وليس لديها الارادة، ولا الرغبة في دفع ما يتوجب عليها من اثمان مقابل الخلاص من هذا الوضع، لأن الثمن المطلوب هو التنازل عن السلطة الفعلية في القطاع لحكومة الوفاق، وليس القاء اعبائه فقط عليها. وفي هذا المقام، لا يفوت المتابع ملاحظة ان القائمين على القرار في «حماس» في ظل الاحتمالات المتزايدة لانفجار الوضع في قطاع غزة، اختاروا شعاراً جذاباً وجامعاً «حق العودة» ومناسبة «يوم الارض» لما له من حضور خاص في الوجدان الوطني لاطلاق شحنة الغضب الغزي وتوجيهه نحو اسرائيل.
لا يوجد ما يعيب في توجيه انفجار غضب غزة نحو الاحتلال الاسرائيلي، لكن يمكن التحفظ كثيراً على الاهداف النفعية والفئوية التي تقف خلفه للهروب من استحقاقات المصالحة، والسعي لحل مشكلة قطاع غزة، ومعضلة حكم «حماس» له، واجبار العالم على مخاطبتها والاعتراف بها بصفتها سلطة الامر الواقع.
بالمقابل، فإن الاحاديث التي تدور في الغرف المغلقة للسلطة الفلسطينية، وحركة «فتح» رغم ما اغدقته من ثناء على «مسيرة العودة» الا ان مشاعر الارتياب مما تضمره «حماس» من مرام موجهة للداخل الفلسطيني تغلب على رؤيتها للحدث الغزي، وترى به بدرجة او اخرى استهدافاً لها لحشرها في اضيق الزوايا، وتحميلها وزر استمرار حصار القطاع، وفشل المصالحة، ودفن جريمة تفجير موكب الحمد الله. وهو ما يفسر تواضع مساهمة «فتح» في فعاليات الضفة الغربية، وبالتالي تواضع المشاركة الشعبية في الجمعة الاولى من «مسيرة العودة».
ثمة عوامل اخرى لا يمكن اغفالها، وتفعل فعلها في التقرير في حجم ونوع الفعاليات التي تقام في قطاع غزة بالمقارنة مع الضفة الغربية، من بينها ان القطاع رغم حصاره، فهو متواصل جغرافياً، ومساحته صغيرة، وخال من قوات الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي، بالاضافة الى ان ثلثي عدد سكانه من اللاجئين، وهو ما يشكل بيئة لديها استعداد اكبر للاستجابة لدعوات المواجهة من اجل «العودة»، وهو يسهل عملية الحشد والانتقال الى اماكن التظاهر والاحتجاج من دون معوقات، مقابل الضفة الغربية المقطعة الاوصال مع وجود الالاف من جنود وحواجز الاحتلال ونحو 800 الف مستوطن، الامر الذي يعيق تحشيد تجمعات شعبية كبرى، ناهيك عن ان السلطة الفلسطينية ما زالت ملتزمة بالتنسيق الأمني مع اسرائيل، ما يضاعف من مصاعب خلق حالة شعبية مماثلة لقطاع غزة.

رافعة للنضال الوطني
وفي هذا السياق، اثارت «مسيرة العودة» سجالاً عاماً واسئلة حول الثمن الذي دفع في الجمعة الاولى من فعالياتها، حيث اسفرت المواجهات عن استشهاد 19 واصابة اكثر من 1500 اصابة العشرات منهم خطيرة، وبترت اطراف اكثر من 35 شاباً، مقابل الاهداف التي تحققت من قبيل ان الفلسطينيين ربحوا معركة الصورة، التي اظهرت محتجين عزل مقابل جيش جرار ومدجج بكل انواع الاسلحة الفتاكة، ونجحوا في كسب تعاطف العالم، وتحميل اسرائيل كدولة احتلال غاشمة مسؤولية الجرائم التي ارتكبت ضد المشاركين في «المسيرة».
وعليه، فقد تولد ما يشبه اجماع وطني على العمل بكل الوسائل والاساليب المتاحة لمنع تكرار ما وقع الجمعة الماضية، والحفاظ على سلمية وحضارية التحرك وشعبيته الكفيل بفضح الوجه الحقيقي لدولة الاحتلال والحاق الهزيمة بها في ساحة الرأي العام العالمي. وحرمانها من النجاح بجر «المسيرة» الى مربع العنف الذي تضمن من خلاله تفوقها الساحق، وخلق انطباعاً مضللاً ان ما يجري هو معركة بين جيشين.
لقد وفرت «مسيرة العودة» بما لها وما عليها رافعة للنضال الوطني والقضية الفلسطينية بعد ان كانت مهددة بالاندحار، ووفرت للمصالحة عمقاً شعبياً يأمر طرفي الانقسام بالسير بها وصولاً الى استعادة وحدة الارض والشعب والمؤسسات، واقامة الاطر والهيئات الوطنية الموحدة والجامعة لتطوير «المسيرة» وتوسيع رقعة فعالياتها وضمان استمرارها.

الوسوممميزالمصدر : القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *