الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / كيف حال الصحافة العربية المكتوبة؟

كيف حال الصحافة العربية المكتوبة؟

سليمة لبال|
بدأت مؤسسات إعلامية عربية تنفيذ خطط تطوير جديدة، لتعزيز إصداراتها الورقية، ومواجهة تداعيات الأزمة التي تعصف بقطاع الصحافة المكتوبة، سواء من الناحية المالية، بسبب تراجع المبيعات أو الإعلانات، أم من الناحية المهنية بسبب منافسة وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت بسبب سرعتها، سباقة في نشر الخبر .وفي ما يبدو التغيير حتميا، يقول إعلاميون عرب إن التطوير ضروري لبقاء هذه الصحافة، التي لا تزال تحافظ على صدقيتها، مقارنة بما ينشر على الشبكة العنكبوتية، لكن هل من وصفة سحرية تنقذ الصحافة الورقية؟ وهل لا يزال القارئ العربي في حاجة الى هذه الصحافة؟ وماذا يمكن أن تحمله في المستقبل، وأي رهانات تواجه المهنة، في عالم يعجّ بالمتغيّرات والتقلّبات؟
القبس استطلعت آراء عدد من الصحافيين العرب، على هامش مشاركتهم في النسخة الـ15 من الملتقى الاعلامي العربي، الذي اهتم هذا العام، بمناقشة سبل الحد من الأخبار الزائفة في العالم العربي.

إعادة تعريف الصحافة
يربط الكاتب الصحافي اللّبناني في جريدة الحياة جورج سمعان تطوّر الصحافة الورقية في العالم العربي بإعادة تعريف المهنة ومن يمارسها. ويقول في حديثه لـ القبس إن منافسة وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية للصحافة الورقية تدفعنا إلى طرح سؤال كبير: هل المطلوب الآن هو إعادة تعريف الصحافة؟ ويضيف: «هذه السلطة الرابعة هي سلطة تضاف إلى سلطات ثلاث، نحن نعرف مرجعها وعناوينها ومصدرها، ولكن الآن وبعد أن أصبح من يملكون هواتف ذكية هم صحافيون بشكل أو بآخر، علينا أن نتساءل فعلا هل ما ينشر في المواقع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي يتمتّع بالمصداقية أم كلها أكاذيب وتلفيق واخبار زائفة؟».
ويعتقد جورج سمعان أن هذه الوسائل لم تتحول إلى مصدر معلومات ومصدر إعلام وتعليم. لذلك يجب إعادة تعريف الصحافة ومن هو الصحافي. ويتابع: «نحن نمر الآن بمرحلة ضبابية بالعالم العربي خصوصا بسبب استهلاكنا التكنولوجيا الغربية.. نحن العرب لا نزال متمسكين بالصحافة الورقية الى حد ما على الرغم من تراجعها وتراجع مبيعاتها الهائل.. حتى إن أردنا الانتقال إلى النشر الإلكتروني، ننشئ موقعا إلكترونيا وتديره كفاءات صحافية مثقفة أمينة على التاريخ، لأن الإعلام والصحافة جزء من كتابة التاريخ، الصحافيون شهود على التاريخ وأحيانا يصنعون التاريخ».

مصدر للمصداقية
أما الكاتب الصحافي عبد الوهاب بدرخان فيقول: إن الصحف الورقية لا تزال مصدر المصداقية مقارنة بما ينشر في الشبكة العنكبوتية. وإن توقع بدرخان أن يبقى «شكل ما» من هذه الصحافة مستقبلا، إلا أنه انتقد في حديثه لـ القبس بشكل كبير وضع الصحافة العربية اليوم. ويشرح كيف أن «الصحافة الورقية التي نعرفها حاليا ليست في معظمها صحافة، وإنما مجرد صفحات تحمل إعلانات أو تُسوّد بالإعلانات لتسويغ الميزانيات المخصصة للشركات، وفقاً لتقسيم تعتمده عادة الحكومات أو أصحاب الشأن، وبالتالي الصحافة المكتوبة ضُربت عمليا وأصبحت تحافظ على وجودها في مجتمعات ليست مهيأة كلية لاستخدام التكنولوجيا، وفيها شرائح مجتمعية لا تزال تعتمد على النسخة الورقية …الشيء الذي يميز الصحافة الورقية حاليا هو انها من لحم ودم حتى في الولايات المتحدة من يكتب ويوقع في نيويورك تايمز يختلف عمن يكتب على اي موقع ويوقع عليه، وبالتالي لا يزال الورق هو مصدر المصداقية».
لكن رغم تفاؤل بدرخان بمستقبل الصحافة الا انه أشار إلى أن على أهل المهنة أن يتهيأوا لزمن مختلف تماما. ويضيف: «قد يتراجع في هذا الزمن وجود الصحافة المكتوبة بشكل كبير أو سنتحول جميعا الى مواقع الكترونية مثلما استخدم اجدادنا اوراق البردى ثم جاء الحبر والورق… أنا ارى انه نوع من التطور لكيفية تعبير الانسان عما يقوله».

تعاني لكنها لا تحتضر
ويقول الإعلامي الليبي محمود شمام، الذي يُصدر صحيفة الوسط في مصر ويشرف على عدة قنوات اذاعية على موجة «اف إم»، إن الصحافة الصحافة الورقية تعاني لكنها لا تحتضر كما يعتقد البعض. ويضيف متحدثا لـ القبس: «أعتقد أن القيمة الثقافية للصحف الورقية تفوق قيمتها الإعلامية. علينا أن نهتم بتراث القراءة وندرب عليه أولادنا، لذلك من المهم أن تكون هناك صحافة ورقية، لكن على الصعيد الاقتصادي أصبحت المواقع الالكترونية مسيطرة .وعما إذا كانت هناك وصفة ناجعة لانقاذ الصحافة الورقية، يجيب محمود شمام الذي منعت السلطات الليبية توزيع صحيفته على تراب الدولة مطلع هذا العام: «لا توجد وصفة ناجعة لانقاذ الصحافة وتطويرها، لان الاعلام في قبضة رأس المال، وليس في قبضة المؤسسات المدنية، وبالتالي لن ينفق احد على صحافة لا تستقطب إعلانات».

القصة الشاملة
وتحاول مؤسسة الأهرام المصرية، مثل باقي المؤسسات الإعلامية العربية، التكيّف مع الواقع الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي. ويقول مدير تحرير جريدة الأهرام وخبير الشؤون العربية أمين محمد أمين «إن مؤسسة الأهرام كانت أول من استخدم الكمبيوتر في العمل الصحافي في مصر، وتطمح الآن الى التطور وسباق العصر لإنقاذ نفسها». ويضيف أمين محمد أمين متحدثا لـ القبس عن مشاريع الأهرام التي تعتزم تنفيذها قريبا: «نحن نسعى إلى إطلاق تلفزيون أرضي شامل، يُعنى بكل الجوانب الحياتية للمواطن المصري، علاوة على اقتحام عالم الإنتاج، واستغلال استديوهات مؤسسة الأهرام التي تملك 17 إصدارا، وما تزخر به من إمكانات مادية وبشرية، حيث يصل تعداد صحافييها الى 1000 صحافي، وكل هذا من أجل تطوير المؤسسة وفتح آفاق أخرى تعزز الجريدة الورقية».
ويقول أمين إن الصحافة المكتوبة لن تموت اذا طورت نفسها. ويتابع: «اصبحت جريدة الاهرام تتعامل مع الخبر بطريقة أخرى لصناعة قصة خبرية شاملة مشوقة وتثير القارئ.. لم نعد نكتفي بنشر الأخبار جافة من دون تقديم خلفية عنها. ولم نعد على سبيل المثال نكتب أن مسؤولا مصريا وقّع اتفاقية ما مع مسؤول أجنبي ونكتفي بذلك، على سبيل المثال، لقد أصبحنا نستغل أرشيفنا ونستنفر مراسلينا ونسأل محللين ومختصين عن خلفية الموضوع، حتى نقدم قصة كاملة ومختلفة لا يمكن أن يجدها القارئ في أي مكان آخر غير الأهرام».
واكد أمين انفتاح «الأهرام» على كل قضايا المواطن المصري واهتماماته بكل ما يعنيه ذلك، حتى في الرياضة التي لم تعد الصفحات فيها حكرا على كرة القدم، بل تعدتها الى كل الرياضات التي يمارسها الشباب المصري.
ويرى أمين أن من بين الصفحات المميزة جدا والمتابعة شعبيا في الاهرام هي صفحة الوفيات، ويردد المصريون نكتة مفادها أنه من لم ينشر اسمه في قائمة الوفيات في الأهرام لم يمت. ووفق أمين فإن دراسة اجرتها مؤسسة الاهرام أكدت ان عدد صفحات الوفيات في الجريدة سيرتفع إلى 22 صفحة في 2020 بسبب ارتفاع عدد السكان وأهمية هذه الصفحة بالنسبة للمصريين.

تجربة الاندماج
لا تشذ الصحافة السودانية عن واقع الصحافة العربية. ويقول عبدالرحمن ابراهيم عبدالله مدير اذاعة «بلادي» الخاصة في السودان لـ القبس إن اقتصادات الصحف من القضايا التي تواجه باستمرار تحديات في السودان ومن بينها تراجع سوق الاعلان وتراجع عدد القراء في مقابل ارتفاع عدد القراء الذين يتعاملون مع النشر الالكتروني. ويضيف: «الصحافة الورقية تواجه أيضا تحدي السرعة، بسبب منافسة وسائل التواصل الاجتماعي، هذه التحديات سببت متاعب للصحافة الورقية التي تعاني مهنيا في ملاحقة الخبر، واقتصاديا لتوافر مصادر اخبارية موازية، لذلك هناك تراجع في المبيعات. في المقابل يعيش السودان وبعض الدول العربية الأخرى مشاكل اقتصادية تؤثر في قدرة القارئ على اقتناء الصحف علاوة على التقلبات الاقتصادية التي تؤثر في توفير العملة الصعبة لتمويل وسائل الطباعة والنشر وهذا يشكل عبئا كبيراً على الناشرين في السودان إضافة الى ارتفاع تكاليف التدريب الاحترافي ومرتبات الصحافيين ،حيث يحتاج تحسين وضعهم إلى ميزانية اكبر».
ولمواجهة هذا التعثر الاقتصادي يقول عبدالرحمن ابراهيم عبدالله ان الصحف السودانية لجأت الى حل الاندماج. ويتابع: «هناك تجارب سودانية بعضها كتب له النجاح وأخرى قيد التجريب، حيث اندمجت صحف عدة في مؤسسة واحدة من أجل رفع رأسمال المؤسسة لاصدار صحيفة واحدة بامكانات تحريرية اكبر وتوزيع اكبر، فصحيفة الصحافة السودانية نشأت من اندماج 5 صحف بينما صحيفة السوداني ولدت من رحم اندماج 3 صحف سودانية، وهناك حل اخر لجأت اليه بعض الصحف السودانية، حيث اطلق بعضها نسخة الكترونية بينما تحولت صحف ورقية الى نسخة الكترونية بشكل نهائي مثل صحيفتي الوان والأحداث لمواجهة تكاليف الطباعة».

وضع متأزم في تونس
في تونس الخضراء، دفعت الازمة المالية العديد من الصحف إلى التوقف مثل صحيفة الشريح اليومية التي كان يرأس تحريرها الكاتب الصحافي صالح الحاج. وتقول معدة ومقدمة برنامج «قهوة عربي» على القناة التلفزيونية الوطنية التونسية إنصاف اليحياوي «إن ارتفاع سعر ورق الطباعة وتراجع الاعلانات، لم يسمحا باستمرار صحف تونسية عدة». وتضيف اليحياوي التي كانت لها تجربة في الصحافة المكتوبة التونسية في حديثها لـ القبس عن الحل الذي تراه مناسبا لإنقاذ الصحافة الورقية.. «اعتقد ان الصحافة المكتوبة لن تموت لكنها لن تكون بالزخم الذي كانت عليه في السابق.. هي بحاجة الى تطوير نفسها من خلال الاعتماد على الرأي والتحليل بعيدا عن الخبر الذي اصبح في متناول الجميع بفضل السرعة التي توفرها المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لذلك فان نشر الخبر في الصحيفة الورقية هو اهدار لمساحة يمكن ان تستغل في تنوير القارئ بخلفية الخبر وابعاده واستشراف المستقبل».

المصدر : القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *