الأحد , فبراير 25 2018
الرئيسية / سياسة / قلم عباس في مواجهة تصفية القضية الفلسطينية

قلم عباس في مواجهة تصفية القضية الفلسطينية

قلم عباس في مواجهة تصفية القضية الفلسطينية

القدس – احمد عبد الفتاح |

قذف اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل وقراره نقل سفارة بلاده من تل ابيب اليها، وما سبق هذا الاعتراف وما تلاه من اجراءات اتخذتها ادارة البيت الأبيض، كاغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وتقليص مساعداتها لوكالة «اونروا»، في وجه القيادة الفلسطينية كومة من المعضلات مثلت انقلاباً نسف الأسس والقواعد التي رسا عليها الخيار الفلسطيني منذ توقيع اتفاق «أوسلو» قبل ربع قرن.

جاء قرار ترامب من خارج حسابات وتوقعات القيادة الفلسطينية، وأطاح بضربة واحدة بجميع الآمال التي عقدتها، ووضعها قبالة خيارات احلاها مر، خاصة انها لم تستعد كفاية لمثل هذا الاحتمال، ووسط ظروف ومعطيات لا تعمل في مصلحة الفلسطينيين، تتوزع على عدة مستويات، فعلى المستوى الداخلي ما زال الانقسام قائماً ومستحكماً، على الرغم من التوصل في شهر اكتوبر الماضي الى اتفاق المصالحة برعاية مصرية بين حركتي «فتح» و«حماس»، وما زالت حرب الشروط والشروط المضادة بينهما تقف عقبة كأداء في طريق تنفيذ الاتفاق، أما على المستوى العربي والاقليمي، فإن الحروب المذهبية والطائفية استعرت في عدد من دول المنطقة، واحتلت ايران موقع اسرائيل في تصدر رأس قائمة المخاطر، كما لم يعد خافياً ان بعض العرب ضاقوا ذرعاً بالقضية الفلسطينية وتبعاتها، وباتت عبئاً يراد الخلاص منه في اقرب الآجال.
أما على المستوى الدولي فإن قرار ترامب ازاء القدس أعاد تأكيد المؤكد، لجهة تسليم الكثير من دول العالم بحصرية الدور والرعاية الاميركية لعملية السلام. وعلى الرغم من ان هذه الدول اعترضت على قراره وتضامنت مع الموقف الفلسطيني، ورجمت ذلك بتصويتها في الامم المتحدة باغلبية 128 صوتاً ضد القرار وامتناع 35 وتغيب 20 دولة مقابل 9 دول صوتت لمصلحته، بقيت النصيحة التي ترددت على مسامع الرئيس محمود عباس في عواصم القرار الاقليمية والدولية، انه لا بديل عن الدور الاميركي، وعليه التريث وانتظار اعلان «صفقة القرن» وما ستحمله من اقتراحات، على الرغم من ان مضامين هذه الصفقة صارت سراً شائعاً.

مرجعية القرار
في المقابل، لم يكن موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ردد على مسمع عباس خلال استقباله في موسكو قبل ايام انه اتصل بترامب وبحث معه ملف عملية السلام بين الفلسطينيين واسرائيل، مختلفا، اذ إنه اراد ايصال رسالة لضيفه الفلسطيني ان العنوان المعني، والذي يجب مخاطبته هو البيت الابيض، وليس الكرملين، بدليل ان البيان الذي صدر عن الاخير في اعقاب لقاء الرئيسين لم يتضمن اي اشارة الى قبول اقتراح عباس بعقد مؤتمر دولي للسلام برعاية متعددة الاطراف، على اساس قرارات الشرعية الدولية، بهدف كسر الاحتكار الاميركي لرعاية هذه العملية.
من جانب آخر، بات التطور الجديد الذي بدأ يلوح في افق الحرب في سوريا وعليها، مع اقتراب الحرب على «داعش» من نهايتها، وولوج مرحلة تقاسم النفوذ فيها، يشير الى ان موسكو التي تستعد لقطف ثمار انحيازها ودفاعها عن النظام السوري، ليست في وارد استفزاز واشنطن وتل ابيب، والتشويش على انجازها وتخريب تفاهماتها السورية مع اسرائيل، بتدخل مرفوض اصلاً، وغير مضمون النتائج في ملف عملية السلام.

مغريات خادعة
وعلى المقلب الاميركي، ما زالت واشنطن على الرغم من قرارات ترامب ازاء القدس، واستبعادها عن طاولة المفاوضات، وتقليص مساعداتها لوكالة «اونروا» تلوح للفلسطينيين من بعيد بما يمكن ان يغريهم ويحملهم على تغيير موقفهم، سواء باعلان عدد من مسؤولي الادارة، وكان آخرهم وزير الخارجية ريكس تيلرسون من القاهرة قبل عدة ايام، ان الحدود النهائية للقدس متروكة للمفاوضات بين الجانبين، والاهم ما جاء على لسان ترامب نفسه في مقابلته التي نشرتها صحيفة «اسرائيل اليوم» الاحد الماضي المقربة من نتانياهو، وشكك فيها لاول مرة منذ توليه منصبه برغبة اسرائيل في صنع السلام، وقدم اضافة جديدة جديرة بالملاحظة، حيث طالب اسرائيل ايضاً لاول مرة بأن تكون اكثر حذراً في سياستها الاستيطانية، ثم اعقب هذا الموقف نفي الناطق باسم البيت الابيض جوش رفائيل تصريحات نسبت الى نتانياهو انه يبحث مع الادارة الاميركية ضم مستوطنات الضفة الغربية الى اسرائيل.
هذه الاشارات جديرة بالملاحظة، لكنها لا تحتمل المبالغة، ولا تستحق الاحتفاء. فالخلاف يتمحور حول حجم الكتل الاستيطانية التي سيسمح بضمها وليس حول مبدأ الضم، فـ «صفقة القرن» بحسب ما تسرب منها تقترح ضم 10 في المئة من مساحة الضفة، فيما يطالب نتنياهو بضم 15 في المئة، وتقترح إقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة في قطاع غزة وعلى نحو نصف الضفة الغربية، وتستثني القدس والمستوطنات، والأغوار، وحل قضية اللاجئين، «لن يشمل حق العودة».
واشنطن وعلى الرغم من رفع الرئيس عباس لا كبيرة لـ «صفقة القرن»، فإنها لم تسلم، وأغلب الظن لن تسلم بفشل فرضها بشتى الطرق، وما زالت تراهن على مفاعيل العقوبات التي اتخذتها والتي ستتخذها معطوفة على ضغوط عربية، واخرى دولية ستفعل فعلها في نهاية المطاف وستبرد الرؤوس الفلسطينية الحامية.

خيارات محدودة
في ظل هذه الظروف يبدو المأزق الفلسطيني ثلاثي الابعاد، حيث الوضع الداخلي مهلهل، والتخلي العربي غير مسبوق، والوضع الدولي غير مكترث، باستثناء ما يقدمه من صدقات لتجنب وقوع كارثة انسانية، وبالتالي، فإن الخيارات الفلسطينية محدودة، وحشرت في اضيق الزوايا. ويعادل قبول «صفقة القرن» الانتحار الوطني، وخيار قلب الطاولة وانهاء مسار «اوسلو»، كما يطالب الكثير من الفلسطينيين، محفوف بشتى المخاطر، ليس اقلها انهيار السلطة من دون وجود بديل وطني، والبقاء في الوضع الراهن في ظل استمرار سياسة الاستيطان، والضم والتهويد سيقضيان على اي امل في اقامة دولة فلسطينية، من دون ان يعني ذلك ان طريق الدولة الواحدة ممهد او ممكن اصلاً.
وعلى الرغم من قتامة الصورة وعمق المأزق الفلسطيني، ومعرفة الرئيس عباس انه يخوض معركته مع واشنطن وتل ابيب بلا حليف او ظهير، كما يعرف ان قدرته على استبعاد واشنطن، او فرض شركاء عليها في رعاية عملية السلام معدومة، فإنه يحتفظ في جيبه بسر قوته الكامن في قلمه الذي لوح به قبل ايام، مؤكداً انه لن يمنح الشرعية، ولن يضع توقيعه على اي اقتراح لتصفية القضية الفلسطينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *