الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / «رئاسية مصر 2018»: نظام يتحسَّس خطواته

«رئاسية مصر 2018»: نظام يتحسَّس خطواته

«رئاسية مصر 2018»: نظام يتحسَّس خطواته

القاهرة ـــــ أحمد متبولي |

مع بداية العد التنازلي للانتخابات المصرية المقررة في مارس المقبل، ظهر على الساحة السياسية عدد من الأزمات التي ألقت بظلالها على المشهد الانتخابي، وطرحت تساؤلات عن طبيعة إدارة العملية السياسية في مصر خلال الفترة الحالية وفي المستقبل المنظور.
ورغم أن نتيجة الانتخابات تبدو محسومة سلفا للرئيس عبدالفتاح السيسي، بعد الذي جري في المشهد الانتخابي من تنحّي المرشحين المحتملين أو إبعادهم لعدم مطابقتهم شروط الترشح، فإن حجم التحديات المطروحة على النظام تختلف بشكل كبير عن حجم التحديات التي واجهها في فترته الأولى بعدما خرجت الصراعات الخفية من خلف الكواليس إلى خشبة المسرح.

السيسي في فترته الأولى كان حريصا على التأكيد انه لا يحمل «فواتير لأحد» وأنه تقدم للرئاسة في مواجهة الخطر، الذي تم تقديمه للمجتمع المحلي والدولي بوصفه مهددا الدولة المصرية وتمثل في الإخوان والإرهاب، وتحت هذه اللافتة رضي كثير من حلفائه الذين رافقوه في 30 يونيو عن طي صفحة العمل السياسي عن الواجهة بعد سيطرة شعار «الأمن ومواجهة الإرهاب أولا»، وزاد اشتداد القبضة الأمنية بشكل غير مسبوق، أدى إلى أن عددا كبيرا من شباب ثورة 25 يناير أصبحوا خلف القضبان؛ بعدما تصدروا المشهد لفترات طويلة.
توازى ذلك مع إجراءات اقتصادية صعبة ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف طبقات الشعب المصري، وزادت طبقة الفقراء والمحتاجين بعد ذوبان الطبقة المتوسطة التي صار أغلبها ينتمي الى الفقر أقرب منه الى الستر، فضلا عن الغني، لكن الجميع كان يتحمّل هذه الأزمة؛ أملا في مرور سنوات عجاف تحمل في طياتها الخير مستقبلا.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية بدأت تظهر ملامح تطلعات القوى السياسية والأفراد في العودة إلى الحياة السياسية بعد فترة جمود، استمرت نحو أربع سنوات وسط مطالبات بأن يتم إفساح المجال للعمل السياسي بالتوازي مع مواجهة الإرهاب؛ لأن هذه المواجهة لن تكون كافية ليتم بناء دولة تتطلع إلى المستقبل وبناء مجتمع قبل مقايضة حريته السياسية مقابل الأمن وتحسين أوضاعه الاقتصادية.
وزادت أصوات المنتقدين للسياسيات الاقتصادية لاعتمادها على الاستدانة كآلية رئيسة لمواجهة عجز الموازنة، حتى وصلت الديون الخارجية والداخلية إلى أرقام خيالية، أبدى كثير من الخبراء الخوف منها لما تمثله من عبء على الحاضر والأجيال المقبلة.

أصوات المعارضة
ومع تزايد معدلات التذمّر في الشارع، بدأت أصوات المعارضة تزداد، سواء كانت بدوافع وطنية أو لتطلعات شخصية، محذرة من أن السياسات الاقتصادية التي تعتمد على المشروعات الخدمية غير الصناعية والثقة في القوات المسلحة لتنفيذ هذه المشروعات دون القطاع الخاص، لن تساعد على الخروج من الأزمة الاقتصادية وحدها، وأنه رغم تمكن الحكومة من المرور بأزمة تحرير سعر الصرف وزيادة معدلات الاحتياطي النقدي، فإن المواطن لم يشعر بنتائجها.
وبدأت المعارضة الرهان على الانتخابات الرئاسية، ليس أملا في الفوز بالمقعد، لكن كمحاولة لحلحلة الجمود السياسي، والعمل على إحداث ثقب في «الجدار العازل» الذي تمت إقامته بين المواطنين، الذين اعتادوا النزول الى الشارع لسنوات، وبين الحياة السياسية، والعمل على استعادة الجماهير مرة أخرى.
لكن يبدو أن هذه المحاولات لم ترق لصناع القرار، وسرعان ما ظهرت حملات تشويه قادها عدد من الإعلاميين، في قنوات وصحف أحكمت أجهزة الأمن قبضتها عليها، بعد أن تمكّنت من الاستحواذ عليها، ضد عدد ممن أبدوا نيتهم الترشّح للرئاسة، وكانت البداية مع الفريق احمد شفيق الذي ما إن أعلن نيته الترشح للانتخابات من مقر إقامته في الإمارات حتى تعرّض لهجوم كبير، ساعد عليه إذاعته لبيان على قناة الجزيرة عن احتجازه ومنع نزوله في مصر، وهو ما زاد الغضب عليه في القاهرة وأبو ظبي اللتين ترتبطان بعلاقات وطيدة.
وما إن رحل شفيق الى مصر حتى أقام في فندق تحت رعاية الأجهزة الأمنية، ثم أصدر بيانا آخر بعد عدة أيام، تراجع فيه عن رغبته في الترشح.
ثم جاء المرشح خالد علي، الذي قاد معركة قانونية ضد اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، ليعلن ترشحه، لكنه كان مرشحا تحت سطوة حكم صدر ضده بالسجن لقيامه بفعل خادش للحياء بيديه عقب صدور حكم لمصلحته في قضية الجزيرتين، لكنه انسحب بعد الإجراءات التي اتخذت ضد رئيس الأركان الأسبق سامي عنان، الذي ما إن أعلن في بيان عن نيته للترشح، حتى وجد نفسه في غياهب السجن، لاتخاذه القرار من دون العودة إلى القوات المسلحة، ولتضمين بيانه عبارات اعتبرها الجيش مهينة له.

مرشح ليخسر
ورغم أن هذه الشخصيات الثلاث كانت تحظى برواج في بعض الأوساط السياسية، فإن ابتعادها عن المشهد الانتخابي جعله بمنزلة استفتاء، مما وضع النظام في حرج، وبدأت رحلة البحث عن مرشح يقبل أن «يخسر أمام السيسي»، وحاول رئيس حزب الوفد الترشّح، لكن هيئة الحزب العليا رفضت القرار، وقالت إنها تؤيد السيسي، ثم تم الاستقرار على رئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى، الذي تم رفع دعوى قضائية ضده، تدعى أن أوراقه التي قدمها للترشح حول حصوله على مؤهل عال غير صحيحة، مطالبة بإلغاء قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بإدراج اسمه منافساً للسيسي.
وسواء قبلت دعوى إبعاد موسى أو استمر في المنافسة، فإنها لن تغيّر من التوقّعات في شيء بفوز مريح للسيسي، لكن هل سيكون الوضع بعد الانتخابات كقبلها؟
الأحداث الأخيرة أظهرت أن هناك صراعات في الخفاء ظهرت من الكواليس إلى خشبة المسرح، وأن الصراع على الكرسي أو حوله، لم يعد من الممكن التغاضي عنه أو تجاهله، خاصة أن تيارات من المعارضة بدأت في توحيد صفوفها، وانها وإن كان صوتها ضعيفا فإنها في «لحظة فارقة» قد تتصدر المشهد بوصفها المؤهل الوحيد على الساحة، وان النظام سيسعى إلى تحسّس خطواته بدقة خلال الفترة المقبلة، وقد يسعى أو يضطر إلى فتح منافذ للحياة السياسية من خلال «عودة محسوبة» للمعارضة من جديد، حتى لا يُفاجأ بانهيار مفاجئ لـــ «الجدار العازل» يعيد الناس الى الشارع مرة أخرى.
في المقابل، يقف الشارع المصري، الذي يمثل الشباب الأغلبية فيه، يشاهد هذه التحوّلات، مثقلا بضريبة؛ دفعها خلال السنوات الماضية من أمنه وقوته، معانيا من حاضره، مترقّبا لمستقبله، متسائلا عما إذا كان سيخفف المستقبل من حمله الثقيل، أو سيزيد من معاناته؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *