الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / «ذا بوست».. فيلم عادي عن قضية كبيرة

«ذا بوست».. فيلم عادي عن قضية كبيرة

«ذا بوست».. فيلم عادي عن قضية كبيرة

ليلاس سويدان |

عندما اشترت المنتجة إيمي باسكال مسودة فيلم «ذا بوست» كانت تظن أنه سيظهر في عهد هيلاري كلينتون؛ المرشحة آنذاك في الانتخابات الرئاسية، ولكن عندما قرر سبيلبيرغ إخراج الفيلم كان متأكدا أنه سيكون في عهد ترامب الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة، لكنه عندما ظهر أصبح في عهد فضيحة المنتج الهوليوودي المتحرش هارفي واينستين. وكان لا بد أن تكون كل هذه التوقعات وخيبات الأمل مؤثرة في صناعة الفيلم ومضمونه، حتى مدى سرعة إنجازه، فالمخرج سبيلبيرغ تحمس لإنجاز الفيلم سريعا وبمدة أقصر من المعتاد تحت وطأة الرغبة في توجيه رسالة سينمائية لدونالد ترامب «عدو الإعلام الأميركي» الذي كال الاتهامات والشتائم للصحافيين، واتهم المؤسسات الإعلامية بـ«عدم النزاهة».

لكن الفيلم ليس عن دور الصحافة فقط، إنه فيلم عن النساء القويات، اللواتي يجدن دورهن وصوتهن ويكتشفن قوتهن في محيط من الرجال المتغطرسين. إنه عن كاثرين غراهام التي رآها أحد المنتجين في خطاب ميريل ستريب في حفل غولدن غلوب العام الماضي، عندما وجهت انتقادات لترامب، مما جعله يرسل برسالة نصية للسيناريست يقول لها هذه هي «كاي» أو كاثرين غراهام. وربما هذا ما يجيب عن سؤال قد يتبادر لذهن المشاهد وهو يفكر في الفيلم، عن سبب اتخاذ صراع جريدة الواشنطن بوست مع السلطة لنشرها أوراق البنتاغون عن حرب فيتنام، مع أن «نيويوك تايمز» هي التي نشرت أولا على صفحتها الأولى عن هذه الأوراق، وعن كذب الإدارة الأميركية ووزارة الدفاع، بخصوص كثير من المعلومات عن حرب فيتنام.

مشاعر الجمهور
عندما تخرج من الفيلم لا أظن أنك ستتحدث عن إخراج سبيلبيرغ أو أداء ميريل ستريب أو توم هانكس، ولن يبقى في ذاكرتك مشاهد استثنائية، ولكن ما ستتذكره هو مقولات في الحوار عن قوة الصحافة وتأكيد حق النشر بالنشر فعليا. نجاح هذا الفيلم شعبيا، إذا جاز لنا قول ذلك، يتكئ على مشاعر المشاهد تجاه الموضوع، لا على قوة العمل الفني ومستوى الأداء ولغة السينما وجمالياتها. في العالم المتحضر أو العالم الثالث تبقى الصحافة في ذهن المشاهد هي «الحقيقة» وحق المعلومة التي تريد لها السلطة أن «تحتجب».

مستويات الصراع
عبر 116 دقيقة يقدم الفيلم، في سيناريو مشوق كتبته ليز هانا مع جوش سينغر، الذي كتب سيناريو فيلم «سبوت لايت»، الذي كان موضوعه الصحافة أيضا، كتبا قصة نشر أوراق البنتاغون عن حرب فيتنام، عبر مستويات للصراع أولها الصراع مع الإدارة الأميركية، وصراع الناشرة مع نفسها والضغوطات التي تتعرض لها من المحيطين بها لعدم النشر، أو الخيارات بين الصداقة التي تربطها بوزير الدفاع روبرت ماكنمارا وقيم الصحافة الحرة، إضافة للصراع بين صحيفة الواشنطن بوست مع نيويورك تايمز على الحصول على سبق صحافي كبير. مع ملاحظة أن أغلب مساحة الحوار والأحداث تدور في مكاتب الصحيفة، بينما الإدارة الأميركية أو فريق «الأشرار» هم مجرد شخصيات ثانوية ومنهم الرئيس نيكسون الذي يظهر بلقطة بعيدة خلف شباك غرفته، كمجرد رمز لسادة البيت الأبيض، ومنهم نيكسون وترامب أيضا، فموضوع حرية الصحافة يتجاوز حكومة واحدة، فكل الرؤساء الأميركيين تقريبا خاضوا حربا ضد الصحافة كما قال سبيلبيرغ.

رسائل سياسية مباشرة
المفارقة ان موضوع المرأة وقوتها كمتخذة قرار، كان يراد له في هذا الفيلم أن يكون موضوعا موازيا لموضوع حرية الصحافة، لذلك كان لابد من وجود ممثلة بحجم ميريل ستريب لأداء دور كاثرين غراهام، تلك المرأة القادمة للصحافة «بسبب ظروف عائلية» بعد انتحار زوجها فيليب 1963، مما اضطرها لتسلم إدارة الصحيفة من بعده. هذه المرأة التي تتخذ القرار العظيم بنشر وثائق البنتاغون مغامرة بالذهاب إلى المحكمة أو الخسارة المادية بعد إدراج الصحيفة في البورصة، لم يكن دورها المكتوب، أو أداء ستريب، قادرا على البروز أمام الرسائل السياسية المباشرة في الحوار والعناية الأكبر من كتاب الفيلم بهذا الجانب، حتى ان مشهد خروج كاثرين غراهام من المحكمة وسط حشد من النساء اللواتي يمددن ايديهن لها بدا مفتعلا وثقيلا وكأنه مجرد رسالة عابرة بين أحداث الفيلم.

ليس الأفضل

سبيلبيرغ لم يخرج بكاميرا جينسن كامنسكي إلى الشوارع الأميركية وقت حرب فيتنام ليصور الاحتجاجات ولا التظاهرات، وجعل الصراع في مكاتب الصحيفة فقط والغرف المغلقة وعزل القضية والصحافة عن محيطها. ورغم أن هناك بطلا آخر في قضية تسريب الوثائق هو داني إيلسبرغ، الذي لولا شجاعته لم تتم القضية أصلا، إلا أن سبيلبيرغ همّش هذه الشخصية التي كان يمكن تفتح خط أحداث آخر وتساؤلات تثري الحوار التقليدي والمباشر.
لا أعلم إن كان هذا الفيلم مهماً لغير العاملين في الإعلام والصحافة والمهتمين بهذا الموضوع، أو ستحتفظ ذاكرتهم به، فهو ليس من أفضل أفلام المخرج سبيلبيرغ ولا ميريل ستريب، ولا توم هانكس الذي قام بدور رئيس التحرير بن برادلي. وكالعادة كما يبدو فإن الرسائل المباشرة في عمل فني تقلص مساحة الإبداع. الفيلم مرشح لأوسكار أفضل فيلم، وأفضل ممثلة في دور رئيسي، وافضل صورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *