الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / حرية الصحافة في اليابان مخنوقة

حرية الصحافة في اليابان مخنوقة

اعداد محمد أمين وسليمة لبال |

يواجه من ينشر أي معلومة مصنفة من أسرار الدولة في اليابان عقوبة بالسجن تصل إلى عشرة أعوام، غير أن هذه العقوبة يمكن أن تطول أيضا الصحافيين أو المدونين، الذين ينشرون معلومة حصلوا عليها بطريقة «غير قانونية»، من خلال وسائلهم الخاصة.
أدى هذا الوضع إلى تراجع عدد الصحافيين المختصين في كتابة التحقيقات الصحافية والتحليلات السياسية، حتى ان هذا التخصص في طريقه إلى الانقراض في هذه الدولة الآسيوية المتطورة بعد أن تم تسريح الكثير من الصحافيين بين عامي 2015 و2016، على غرار شيغيتادا كيشي وكيروكو كونيا وإيشيرو فوراتاشي.
ولا تتردّد الحكومة اليابانية عن طريق وزيرة الاتصالات في التهديد بإغلاق الصحف المتمردة. وتبدو معاداة النظام لوسائل الإعلام المعارضة مفاجئة للغاية في بلد متطور كاليابان، حيث يُفترض أن تكون غالبية وسائل الاعلام مستقلة، كونها مؤسسات خاصة، لكنها غير ذلك، حيث تعيش اليوم على وقع أزمة حرية تعبير. احتلّت اليابان في عام 2016 المرتبة الـ72 في مقياس حرية التعبير، بين 180 دولة، ومنذ تولي شينزو آبي رئاسة الوزراء في 2012، ما انفكت حرية الصحافة تتراجع في بلاد الشمس المشرقة.
وفي تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود جاء أن الحكومة اليابانية لا تخفي معاداتها لأي انتقادات توجه لعملها. وزادت حدّة التهديدات خلال جلسة برلمانية عقدت في 8 فبراير 2015، هدّدت خلالها وزيرة الاتصالات السابقة ساني تاكيشي بإغلاق الصحف التي ستواصل نشر ما وصفته بـ«الأخبار السياسية المُغرضة» في قرار مشابه للقرار الذي اتخذته الصين، حيث قرّر النظام هناك منع الصحافيين من نشر أي انتقادات «غير مسموح بها».
وتحدّث تقرير مراسلون بلا حدود أيضاً عن إلغاء اليابان زيارة كانت مقررة في نوفمبر 2015 لمقرر الأمم المتحدة لترقية وحماية حقوق الانسان وحرية التعبير ديفيد كاي، ثم السماح بها في ابريل 2016. ووفق العديد من الصحافيين ارادت اليابان تجنب نقاش حول قانون حماية الاسرار الخاصة، وهو نص يفرض عقوبة حبس تصل الى 10 سنوات على اي صحافي يدان بنشر معلومات مصنفة كأسرار دولة.

تهديدات كارثية
وأورد موقع «إيجيا ليست» شهادات عدة عن واقع الإعلام في اليابان لصحافيين يابانيين فضّلوا عدم الكشف عن أسمائهم لتجنب المشاكل. ونقل الموقع عن المقرّر الأممي كاي قوله إن التهديدات التي تواجهها وسائل الاعلام اليابانية كارثية. ويضيف العديد من الصحافيين أنهم يعانون ضغوطاً حكومية قوية، تشجعها إدارات تحرير وسائل الإعلام. والكثير أكدوا أنهم يعانون التهميش في مؤسساتهم أو اضطروا إلى الصمت بسبب ضغوط غير مباشرة من القادة السياسيين.ويقول مراسل إذاعة فرنسا الدولية في اليابان فريديريك شارل: «إن اتهامات ديفيد كاي مبرّرة». ويتابع: «لقد حضرت كل الصحف المكتوبة والقنوات التلفزيونية المؤتمر الصحافي الذي نظمه ديفيد كاي في نادي المراسلين الأجانب في طوكيونادي المراسلين الأجانب في طوكيو، لكن لا أحد أورد أو نشر تصريحاته في المؤتمر الصحافي، والصمت نفسه لاحظناه بشأن الانتقادات، التي وجهت للسلطات بشأن إدارة الملف النووي}.

رقابة صارمة
لكن كيف يمكن أن نفسر مثل هذه الضغوط على الصحافيين في بلد مثل اليابان؟ يعد تعيين رجل الأعمال اليميني الوسط، كاتسويو مومي، المقرب من شينزو آبي، على رأس القناة التلفزيونية العامة NHK، في 2014، أول مؤشر، ذلك أن المراقبين اعتبرو أن هذا التعيين بمنزلة سيطرة للحكومة على الإعلام.
وكان كاتسويو مومي قد أثار جدلا واسعا، بعد أن قال «لا نستطيع أن نقول إن الامر يتعلق باليسار حين تقول الحكومة إنه اليمين». كما أيد رجل الأعمال هذا قانون حماية أسرار الدولة، ومنذ تعيينه إلى الآن تتوالى الاستقالات القسرية في التلفزيون، كما تفرض رقابة خاصة على الصحافيين والمختصيين، وحتى الممثلين الفكاهيين في القناة الحكومية.
وهو ما واجهته الصحافية هيروكو كونيا، التي تم انهاء عقدها في مارس الماضي، بسبب برنامجها الذي يتضمن تحقيقات وتحليلات سياسية عن الوضع في اليابان. ووفق موقع «إيجيا ليست»، فإن سبب تسريح هذه المذيعة يعود الى المقابلة الصحافية التي أجرتها مع يوشيد سوغا، الأمين الاعام لمكتب شينزو آبي. وفي مقابلة لها مع صحيفة اليابان تايمز، ذكرت الصحافية المصاعب التي يواجهها الصحافيون المحققون في بلادها. وأضافت «على الصحافي الياباني أن يجامل، ويكون كيّساً، ولا يصر على إعادة طرح السؤال إن رفض الضيف الرد، سواء تعلق الأمر برجال السياسة أو رؤساء الشركات، أو كل أولئك الذين يحق للشعب محاسبتهم. هذه الضغوط أصبحت ميزة المجتمع الياباني».
وفي وقت سابق أيضا، تم طرد صحافيين مشهورين من مناصب عملهم، مثل شيغيتادا كيشي، الذي كان يعمل في «مانيشي نيوز»، وله ركن في برنامج «نيوز23»، الذي تعرضه قناة TBS، وقد تم طرده بعد أن تجرأ على معارضة مشروع قانون يخص الأمن في عام 2015، أو إيشيرو فوروتاشي، مقدم برنامج على قناة أساهي التلفزيونية، الذي تم طرده هو الآخر بعد ان انتقد ادارة الحكومة لملف الطاقة النووية.

نادي «كيشا»
سلّط المقرر الأممي الضوء أيضا على نوادي «كيشا»، أو نوادي الصحافيين، الذين قال انهم يهددون حرية التعبير والصحافة في اليابان. وتوجد نوادٍ للصحافة في المنظمات الحكومية والسياسية والتجارية في اليابان، حيث يبلغ عددها رسمياً 800 نادٍ، غير أن منظمة مراسلون بلا حدود تقول إن الرقم الحقيقي يقترب من الضعف.
ويحق للصحافيين الذين يعملون في الصحف الوطنية فقط الالتحاق بهذه النوادي، التي تم انشاؤها في نهاية القرن الرابع عشر، بينما يحظر دخولها على صحافيي الوكالات الصغيرة والصحافيين الاحرار ومراسلي الوكالات الاجنبية. وتحتكر هذه النوادي بعض المعلومات، لكنها تسمح فقط لأعضاء النادي بالاطلاع على النشاطات اليومية للهيئة أو الوزارة التي يغطون نشاطاتها وتلقي بياناتها الصحافية وحضور مؤتمراتها الصحافية، وفق ما أدلت به الصحافية المختصة في الشأن الاقتصادي ياكودا لقناة تلفزيونية محلية. وأضافت المتحدثة مدافعة عن التسهيلات التي تقدمها هذه النوادي: «يعرف الصحافيون اليابانيون جيّدا المواضيع والأشخاص الذين يغطّون نشاطاتهم أحسن من أي شخص آخر وهو حال يومية نيكي التي استطاعت أن تتفوق في الشأن الاقتصادي عن غيرها من الصحف».
ووفق المقرر الأممي كاي، يسمح هذا النظام بتواطؤ مثير للشك والريبة مع المصادر كما يشجع الرقابة والرقابة الذاتية وينمّي الخوف من الإقصاء من النادي والأمر الأشد وفق منظمة مراسلون بلا حدود هو أن النظام الاقصائي لهذه النوادي يسمح بالتضييق والتستر على المعلومات المتعلقة بالملف النووي وعلى الخصوص محطة فوكوشيما المتضررة، التي تعد رهانا كبيرا للصحة والامن العام.

شركات التبغ تمارس ضغوطاً وتنجح!

تتعدد الضغوط التي يتعرض لها الصحافيون في اليابان، ولا ترتبط فقط بالحكومة ونوادي الصحافيين فقط، ذلك أن وسائل الإعلام اليابانية متّهمة أيضا باستمرار بالرضوخ لضغوط المعلنين وأكبر شركات القطاع الصناعي وبينها صناعة التبغ والقطاع النووي.
ففي يوليو 2016، خصّصت المجلة الشهرية اليابانية سانتاكو مقالا للضغوط التي تمارسها شركة «اليابان توباكو» على وسائل الاعلام. فبمناسبة اليوم العالمي للتدخين الذي يصادف يوم 31 مايو نشرت وزارة الصحة إحصاءات جديدة أكدت فيها مقتل 15 الف ياباني كل عام بسبب التدخين، لكن الخبر نشرته فقط صحيفتان هما «آساهي» و«سانكي». وعلاوة على ذلك اشترطت «اليابان توباكو» على الصحف اطلاعها على كل المقالات التي تنوي نشرها ضد التدخين. وتعدّ هذه الممارسة شائعة ولا تقتصر على التبغ وفق المجلة.
ووفق الوكالة الإعلانية دانتسو، تنفق شركة «اليابان توباكو» مليار ين سنويا في نشر إعلانات عن التبغ في المجلات اليابانية، التي لا تنشر أبدا مقالات تنتقد التدخين. ويقول صحافي فضل عدم ذكر اسمه إن التدخين من بين المواضيع المحرمة في الصحافة اليابانية.
وأشارت مجلة سانتاكو أيضا إلى نشر وسائل الإعلام لمقالات تشجع على التدخين مثل المقال الذي نشرته صحيفة مينيشي في 28 يناير 2016 وأشادت فيه بمزايا التبغ، وقدرته على الحد من التوتر، ما سمح للصحيفة بالاستفادة من إعلانات شهرية من الشركة.

المصدر : القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *