الرئيسية / منوعات / حب يغترف من نهر اللغة

حب يغترف من نهر اللغة

محمدو لحبيب

أعظم العشق هو ذاك الذي يُحس ولا يقال، هو ذاك الذي تتقاصر الكلمات عن وصف المحبوب فيه، وتضن اللغة عن ذكر اسمه وصفته، لأن سمو فكرته لا تنزل إلى مستويات الحب العادي الشائع بين عامة الناس.
يعبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في أحدث قصائده بعنوان «عسل» عن حالة فريدة من ذلك الحب السامي، ويغترف من نهر اللغة المنساب عنده ببساطة وسلاسة مفردات جديدة، لإيصال معانٍ لا نلمسها ولا نسمعها ولا نقرؤها كل يوم.
وإذا كان الأديب الفرنسي الرومانسي فيكتور هوجو يقول معبراً عن حبه: «كم هو الحب عقيم، إنه لا يكف عن تكرار كلمة واحدة هي (أحبك)»، فإن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ينسف تلك الفكرة، ليجعل من التعبير عن الحب ووصف المحبوبة شكلاً متجدداً في كل بيت، عبر مفردات سامية تدهش القارئ وتجعله يتيه في بحور فضاءات العشق الصافي النزيه النبيل.
يبدأ سموه قصيدته بتبيان مكانة المحبوبة وتفردها في قلبه، فيقول مستهلاً حديثاً شعرياً رائعاً:

غلاكْ عندي عَنْ جميعْ المخاليقْ
ماحدْ غيركْ ساكنٍ في خفوقي

ثم يبدأ سموه في البيت التالي سلسلة من التشبيهات التي تكاد تجعل كل بيت صورة بلاغية متفردة بذاتها، تعبر عن القصيدة كلها وتختزلها، وتنسجم في الوقت نفسه مع البنيان الكلي لها، وهذا من دقة الصنعة الشعرية عند سموه، فنقرأ في البيت الثاني من القصيدة:

إنتي العسَلْ لي يشربونهْ علىَ الرِّيقْ
نِوركْ شعاعْ الشَّمسْ وقتْ الشِّروقي

فهو يعبر عندئذٍ عن صورة جمالية يشبَه فيها الشاعر محبوبته بالعسل، ثم في الشطر الثاني تكتمل روعة وبلاغة الصورة، حين يكتمل الوصف بأن المحبوبة ليست فقط ذلك العسل الشافي في وقت البكور، بل هي كذلك نور الشمس الذي يشرق بعد ذلك مباشرة وينعش كل الكون بدفئه وفوائده الجمة.
الترتيب الزمني في البيت لم يكن اعتباطاً، وبقدر ما كان سهلاً ميسوراً للقارئ، بقدر ما كان فيه من الإبداع ودقة الوصف الشعري.
ثم بعد ذلك يصف سموه تلبس الروح بالمحبوبة، وسيطرتها على القلب والمزاج والفكر والدم والنفس فيقول:

سكرانْ مِنْ حِبِّكْ مضيِّعْ ولا آفيقْ
علىَ مزاجي وكلْ ما فيكْ ذوقي

ويشدد سموه الوعد والمُكْثَ على العهد في البيت الأخير، حيث يقول إنه باق على ذلك الحب والشوق حتى آخر نفس، فيقول:

يالينْ آخرْ يومْ لكْ في المعاليقْ
وآخرْ نفَسْ وإنتي غرامي وشوقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *