الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / تحليل إخباري: إيران والبحث عن شرعية مفقودة عبر إسرائيل

تحليل إخباري: إيران والبحث عن شرعية مفقودة عبر إسرائيل

تحليل إخباري: إيران والبحث عن شرعية مفقودة عبر إسرائيل

د. علي حسين باكير|

شهدت الأجواء السورية، السبت، واحداً من أعنف الاشتباكات الجويّة للأطراف المتصارعة على المصالح والنفوذ في سوريا، وقد سقطت خلاله ثلاث طائرات، واحدة إيرانية، وأخرى إسرائيلية، وثالثة تركيّة، علماً بأنّ طائرة روسية كانت قد أسقطت قبل ذلك ببضعة أيام فقط. بدأ الأمر صباح ذلك اليوم بإرسال إيران لطائرة من دون طيار باتجاه العمق الإسرائيلي، انطلاقاً من الأراضي السورية، وهي المرّة الأولى التي يتم فيها إرسال طائرة إيرانية من دون طيّار إلى داخل إسرائيل منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011.
عندما اكتشفت إسرائيل هذه الطائرة، قام سلاح الجو الإسرائيلي باستهدافها، بالإضافة إلى عدد من المواقع داخل الأراضي السورية، من بينها محطة التحكّم الإيرانية التي أطلقت هذه الطائرة بالقرب من مدينة تدمر. وفقاً لبيان الجيش الإسرائيلي، فإنّ وابلاً من الصواريخ المضادة للطائرات اعترض الطائرات الإسرائيلية المغيرة بشكل غير مسبوق، مما أدى إلى إصابة إحداها وسقوطها على الجانب الإسرائيلي من الحدود.
وبينما كان نظام الأسد منتشياً لإسقاطه أوّل طائرة إسرائيلية منذ عقود طويلة، قرّرت تل أبيب أن تردّ، فشنّت أكبر حملة جويّة لها على سوريا منذ عام 1982. دمّرت الغارات الإسرائيلية الجديدة 12 هدفاً في العمق السوري، ثمانية منها لنظام لأسد، وأربعة للنظام الإيراني. من الواضح أنّ سقوط الطائرة الإسرائيلية لم يردع تل أبيب عن شن هذه الهجمات، والغريب أنّ الدفاعات الجويّة التي من المفترض أنّها أسقطت الطائرة الإسرائيلية في المرّة الأولى لم تعمل في المرّة الثانية!

تبرير سياسات إقليمية
هناك عدّة نظريات متداولة لتفسير ما جرى، إحداها أنّ النظام الإيراني كان يعلم تماماً أنّ إسرائيل مستنفرة وحسّاسة إزاء أي نفوذ إيراني متعاظم على حدودها، وأنّ إرسال الطائرة سيحفّز إسرائيل على الرد، وعندها من الممكن الاشتباك معها بأقل قدر من الخسائر المباشرة طالما أنّ المعركة تخاض بالواسطة. النظام الإيراني أنكر بطبيعة الحال أن يكون قد أرسل طائرة من دون طيار إلى إسرائيل.
على الرغم من هذا الإنكار، فان هناك شيئا من الصحة في هذا السيناريو، وذلك بمعزل عمّا إذا كان الهدف من ارسال الطائرة الإيرانية من دون طيار استدراج إسرائيل للرد أو أي شيء آخر. إنّ رصداً دقيقاً لطبيعة العلاقات غير الرسمية بين إسرائيل وإيران يظهر بوضوح استخدام الطرفين بعضهما لبعض لتبرير سياسات إقليمية توسعية هدفها في نهاية المطاف تأكيد نفوذها وسيطرتهما الجيوبوليتكية، وغالبا ما يتم حصر حدود هذه اللعبة على أراضي طرف ثالث وهو الطرف العربي.
خلال العام الماضي، ارتفعت وتيرة الاشتباكات الكلامية بين إيران وأذرعها الإقليمية من الأنظمة والميليشيات الشيعية من جهة، وبين إسرائيل من جهة أخرى، بعدما كانت غائبة تماماً على الأقل منذ اندلاع الثورة السورية في عام ٢٠١١. وهناك من يؤمن بالفعل أنّ النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية دخلوا في اتفاق غير معلن مع الجانب الإسرائيلي طوال تلك الفترة، مما سمح
لحزب الله بنقل الغالبية العظمى من قواته من لبنان إلى سوريا تاركاً ظهره مكشوفاً تماماً لتل أبيب من دون أن يخشى تعرّضه لحملة تقضي عليه في لبنان بينما هو منشغل في مقاتلة السوريين على مساحة سوريا.

مصلحة مشتركة
لقد كانت هناك مصلحة مشتركة في أن يصل الطرفان إلى مثل هذا الاتفاق غير المعلن، فإيران تريد إيقاف الثورة السورية وإنقاذ نظام الأسد، ومن غير الممكن لها أن تفعل ذلك إذا ما كانت على اشتباك مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، وقد اتفقت طهران مع كلتيهما لاحقاً. إذ سمح الاتفاق النووي مع إدارة أوباما بأن تغضّ الإدارة الأميركية الطرف عن دور إيران في سوريا وعن تدفق ميليشياتها الشيعية من بلدان مختلفة من المنطقة لمساعدة الأسد فضلا عن الحرس الثوري والقوات المسلحة.
أمّا الاتفاق مع إسرائيل فقد سمح لحزب الله بأن يرمي بكل ثقله في الجبهة السورية، وهو هدف قد لا يتعارض مع المصالح الإسرائيلية إلى جانب محاولات إيران إنقاذ نظام الأسد. في حسابات تل أبيب، فإن كان هناك تصريحات من قبيل «الشيطان الذي نعرفه خير من الشيطان الذي لا نعرفه»، وأخرى تقول انّ نظام الأسد لم يهدد يوماً الأمن القومي الإسرائيلي انطلاقاً من الأراضي السورية، فهو لم يطلق رصاصة واحدة ضدها على الرغم من احتلال الجولان لعقود طويلة، ناهيك عن تصريحات رامي مخلوف في بداية الثورة السورية والتي ربطت أمن سوريا بأمن إسرائيل، مشيرا إلى انّ سقوط نظام الأسد سيؤثر سلبا على الأمن الإسرائيلي.

ترميم الصورة
لقد انتقلت إيران وأذرعها الإقليمية في ذلك الوقت من مهاجمة إسرائيل إلى مهاجمة ما تسميه تطرفاً سنياً وذلك من الناحية الإعلامية والسياسية والعسكرية. كانت طهران تسعى من خلال هذه النقلة إلى إنقاذ الأسد والحكومة العراقية الموالية لها، والى إحراج الدول العربية المتهمة بإيجاد هذه المجموعات او دعمها، والأهم من ذلك ارسال رسالة إلى الغرب مفادها انّ إيران دولة معتدلة تحارب الارهاب والتطرف وانّ جهودها هذه تصب في نهاية المطاف لمصلحة الغرب، مع المراهنة على انّ هذه السياسة ستساعد طهران على شرعنة تحركاتها في المنطقة تحت مسمى مكافحة «داعش» وهو الأمر الذي حصل بالفعل طوال السنوات الماضية.
أما وقد انتهت المعركة الأساسية ضد «داعش» في العراق وسوريا، فقد تغيّرت أولويات جميع اللاعبين ومن بينها أولويات اللاعب الإيراني. تعاني إيران وأذرعها الإقليمية حالياً من فقدان المصداقية في خطابها وتحركاتها في العالم العربي فضلاً عن الشرعية الشعبية اللازمة لها للحفاظ على نفوذها وتأثيرها، ولذلك تسعى طهران وأذرعها الإقليمية إلى إعادة ترميم صورتها التي سمحت لها بالتغلغل في العالم العربي تحت شعار «الممانعة» و«مقاومة إسرائيل».
ولهذا السبب بالتحديد، ارتفعت وتيرة الاشتباك بين إيران وأذرعها من جهة وإسرائيل من جهة أخرى خلال العام الماضي، وذلك بعد عودة طهران إلى سياساتها التقليدية وهي استخدام تل أبيب لتعزيز نفوذها في العالم العربي. في العام الماضي، صدرت عشرات التصريحات والتصريحات المضادة من المسؤولين الرفيعي المستوى على الجانبين، ونُشرت المئات من المقالات التي تحذّر من إمكانية اندلاع حرب بين المعسكرين.

حسابات داخلية
قد يكون للنظام الإيراني أيضاً حسابات أخرى مرافقة للتعليل أعلاه، حسابات ذات طابع محلي. يجب ألا ننسى أنّ النظام الإيراني يعاني من تآكل شرعيته الداخلية خلال السنوات الماضية، ومع اندلاع الانتفاضات المحليّة في الأشهر الأخيرة، تبدو طهران أحوج ما تكون إلى الاشتباك الخارجي لتمتين جبهتها الداخلية وإعادة اللحمة إلى صفوف السياسيين والمعارضين.
لا يمكن القول إنّ طهران تريد حرباً مع إسرائيل بقدر ما تريد اشتباكاً محدوداً معها بالوكالة، وذلك بشكل يسمح لها بإعادة تعريف دورها وموقعها في قلب العالم العربي، خاصّة مع انهيار قدرات اللاعبين العرب الكبار خلال العقد الماضي وتدهور دور اللاعبين المتبقين، وهو أمر يتفق عليه الجانبان الإيراني والإسرائيلي إلى حد بعيد، وغالباً ما يدفع العرب، لا سيما في فلسطين ولبنان وسوريا فاتورته.
لكن في ظل الفوضى الإقليمية الحاصلة، وتداخل مناطق نفوذ، وتناقض مصالح العديد من اللاعبين بعضهم مع بعض لا سيما في سوريا، فان التحكم في مخرجات أي اشتباك محدود ليس مضموناً وقد يخرج عن السيطرة في أي لحظة ليتحوّل حينها إلى صراع إقليمي وربما دولي.

الوسومد. علي حسين باكير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *