الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / التراشق «التويترو – دبلوماسي» يهدِّد مصالح تركيا وأميركا في سوريا

التراشق «التويترو – دبلوماسي» يهدِّد مصالح تركيا وأميركا في سوريا

د. علي حسين باكير-

في الوقت الذي كان يعتقد البعض فيه بأنّ تركيا والولايات المتّحدة تمرّان بـ«شهر عسل»، بعد أن تراجعت واشنطن عن معارضتها بيع منظومة باتريوت للدفاع الصاروخي الى أنقرة، وإعلان الرئيس الأميركي عن قراره سحب القوّات الأميركية من سوريا، عادت الخلافات بين الحليفين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتطفو الى السطح مجدداً، بعد أن بدّل دونالد ترامب من كلامه، واستعان بـ «تويتر» لينقل الخلاف بين الطرفين مجدداً الى مستوى أعلى، من خلال تهديده بتدمير الاقتصاد التركي اذا ما هاجمت أنقرة الميليشيات الكردية في سوريا.

في تغريدة له على «تويتر»، شرح ترامب ــــ على ما يبدو ــــ أنها توجهاته للمرحلة المقبلة في سوريا، قائلا: «نبدأ بالانسحاب الذي طال انتظاره في سوريا، في حين نواصل ضرب بقايا خلافة «داعش» بقوة من اتجاهات عدّة.. إذا أعادوا تشكيل أنفسهم فسنضربهم من قاعدة عسكرية قريبة»، مضيفا «سندمّر تركيا اقتصادياً إذا ما قاموا بمهاجمة الأكراد»، وفي الوقت نفسه، طلبت واشنطن من الأكراد «عدم استفزاز تركيا». وكتب ترامب «بالمثل، لا نريد أن يقوم الأكراد باستفزاز تركيا»، مشيرا الى ضرورة «خلق منطقة آمنة بعمق 30 كلم». ولم يوضّح ترامب من يجب عليه إنشاء هذه المنطقة الآمنة وضد من سيتم تأمينها، وفي أي مكان تحديداً يجب إنشاؤها في الشمال السوري، وهل ستتم بالتوافق مع تركيا أم من دونه؟ كما لم يوضّح الرئيس الأميركي ما اذا كان سيتم إخلاء هذه المنطقة من الميليشيات الكرديّة التي تتحالف بلاده معها والتي تشكّل ـــــ وفق أنقرة ــــ الفرع السوري لحزب العمّال الكردستاني المصنّف إرهابياً من قبل الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي والناتو، ام لا.

الرد التركي
من جانبها، ردّت السلطات التركيّة بلسان عدد كبير من المسؤولين بحدّة على تغريدة ترامب. وفي ما تمكن تسميته بالتراشق «التويترو-دبلوماسي»، قال الناطق باسم رئيس الجمهورية إبراهيم كالن في تغريدة له إنّه من الخطأ الفادح مساواة الأكراد السوريين بحزب العمّال الكردستاني الموجود على لائحة الإرهاب الاميركية، متعهّداً بمتابعة محاربة بلاده لجميع التنظيمات الإرهابية وبحماية الأكراد وباقي السوريين، مذكراً الرئيس الأميركي بأنّ الجماعات الإرهابية لا يجوز ان تكون حليفة لواشنطن، وأنّ أنقرة تتوقع أن تقوم الولايات المتّحدة باحترام الشراكة الاستراتيجية مع تركيا».
من جهته، أكد مدير الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون أن تركيا «ستواصل مكافحة الإرهاب بتصميم»، مضيفا ان «تركيا ليست عدوة للأكراد» وان «الإرهابيين» وحدهم سيستهدفون.
وكان الرئيس رجب طيب أردوغان قد رفض الأسبوع الماضي استقبال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بعد أنّ اشترط الأخير خلال زيارته للقدس الحصول على ضمانات من تركيا بعدم تعرّضها للميليشيات الكردية مقابل السماح بعملية عسكرية. من جهته، اعتبر وزير الخارجية التركية مولود تشاووش أوغلو انه لا يمكن تحقيق أي شيء بتهديد أنقرة اقتصاديا وأنّ الحلفاء الاستراتيجيين يجب عليهم ألا يتواصلوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيراً الى انّ تغريدات الرئيس ترامب ترتبط بسياسات داخلية، وأنّ بلاده أبلغت الجانب الأميركي أنّها لا تهاب أي تهديد وأنّه لا يمكن لهم أن يبلغوا غاياتهم عبر التهديدات»، لافتا إلى أنه سيقيّم تصريحات ترامب الأخيرة مع نظيره الأميركي مايك بومبيو. وأكد تشاووش أوغلو أنه «عندما يخيّر بين الصعوبات الاقتصادية والتهديد الإرهابي، يرد شعبنا بأنه يفضل الجوع والعطش (..) لكنه لن يحني رأسه».

80 ألف جندي
تأتي هذه التطورات في حين تواصل تركيا حشد قواتها العسكرية على الحدود مع شمال سوريا، استعداداً لمعركة شرق الفرات. وفي هذا السياق، أشارت صحيفة يني شفق التركية الى انّ ٨٠ ألف جندي جاهزون للقيام بهذه المهمّة في أكبر عملية عسكرية عبر الحدود في تاريخ تركيا الحديث، لافتةً الى انّ المعركة ستدار عبر مراكز قيادة في كل من شانلي أورفا وكيليس داخل الحدود الجنوبية لتركيا. ويشكّل هذا العدد ضعف عدد الجنود الذين تمّ ارسالهم الى جبهة شمال قبرص في عام ١٩٧٤. ووفق الصحيفة، من المفترض ان تقوم القوات المسلحة التركية بعملية انتشار داخل الحدود الشمالية لسوريا، من خلال ١٠ نقاط مختلفة وبعمق ١٠ كلم، وذلك بهدف تأمين منطقة بمساحة ٣٠ ألف كلم لتكون خالية من التنظيمات الإرهابية تماماً، على ان يتم التوغّل ١٠ كلم إضافية بعد تأمين السيطرة على المساحة المطلوبة خلال المرحلة الاولى من العملية.

الاصطدام أو التفاوض
وتثير التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي تساؤلات حول ما إذا كانت تعبّر عن توجهات جديدة بالفعل أم أنّها تأتي لتخفيف الضغوط على الرئيس الأميركي نتيجة الصراعات الداخلية التي تشهدها الإدارة الاميركية.
ولا ترفض السلطات التركية في المبدأ فكرة «المنطقة الآمنة» التي طرحها ترامب، ويعتبر المسؤولون الأتراك وآخرهم وزير الخارجية امس أنّهم أوّل من طالب، وظل يطالب بإقامة منطقة آمنة للسوريين منذ اندلاع الثورة السورية. وقال وزير الخارجية التركي إن أنقرة «ليست ضد منطقة أمنية». وذكر بان تركيا طالبت مرات عدة في السنوات الأخيرة بإقامة منطقة بعرض ثلاثين كيلو مترا لحماية حدودها مع سوريا من المواقع التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهو اقتراح بقي حبرا على ورق. وقال تشاووش أوغلو «الآن يطرحون هذه الفكرة على الطاولة بعدما رأوا أن تركيا مصمّمة (على مهاجمة وحدات حماية الشعب الكردية). لسنا ضد هذه الفكرة». وأضاف «ماذا يقلقنا؟ وجود ممر إرهابي ومنظمة إرهابية تشكل تهديدا لنا».
وفي هذا السياق، من المحتمل أيضاً أن يكون ترامب قد رمى بطعم الــ«منطقة آمنة» لكسب المزيد من الوقت، فالجانب التركي كان قد وعد بتأجيل عمليته العسكرية لوقت محدود، وإعادة ترتيب الأولويات الاميركية ستتطلب بالفعل إقناع تركيا بتأجيل عمليتها، لكنّ المسؤولين الاتراك لم يعودوا يثقون بالولايات المتّحدة او بموقف الرئيس الأميركي، وهو الامر الذي قد يدفعهم الى استعجال إطلاق العملية العسكرية لقطع الطريق أمام أي ترتيبات أميركية جديدة لحماية الميليشيات الكردية.
لكن مثل هذا الاحتمال يحمل في طيّاته مخاطر الاصطدام بواشنطن على الأرض، وهو اصطدام قد يرتّب تكاليف اقتصادية باهظة على تركيا التي ما زالت تحاول احتواء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها مؤخراً. في المقابل، يبدو أنّ البديل المتاح حالياً هو التفاوض على الطرح المتعلّق بإقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، ولكنّه طرح غير مضمون النتائج في ظل إصرار واشنطن على حماية الميليشيات الكردية المصنفة إرهابية من جهة، وإخلالها المتواصل والمستمر بتعهّداتها السابقة لتركيا في ما يتعلق بالوضع القائم في شمال سوريا.

الليرة تتراجع

انخفضت الليرة التركية مقابل الدولار امس، بعد أن حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن الولايات المتحدة ستدمّر تركيا اقتصاديا، إذا هاجمت أنقرة مقاتلين أكرادا في سوريا تدعمهم واشنطن.
وتراجعت الليرة، التي خسرت نحو 30 في المئة من قيمتها مقابل الدولار في العام الماضي، بنسبة 1.6 في المئة لتصل إلى 5.5450 مقابل الدولار، واستقرت امس عند مستوى 5.52 بحلول الساعة الــ11:22 بتوقيت غرينتش.

الوسومد. علي حسين باكيرالمصدر : القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *