الرئيسية / اخبار عربيه وعالميه / إسرائيل دولة ديموقراطية لليهود.. يهودية للعرب!

إسرائيل دولة ديموقراطية لليهود.. يهودية للعرب!

محمد أمين |

يناقش آفي شلايم، أستاذ العلاقات الدولية اليهودي بجامعة أكسفورد، ومؤلف كتاب «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم»، في مقالته هذه في صحيفة الغارديان، التطورات الأخيرة في إسرائيل من حيث الجنوح إلى التطرف اليميني وإقرار قانون «يهودية الدولة»، وتأثير ذلك في آفاق صُنع السلام مع الفلسطينيين، وما آل إليه اتفاق أوسلو للسلام.

قبل ربع قرن، وقع اتفاق أوسلو من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض، برعاية الرئيس بيل كلينتون. وبالرغم من العيوب الكثيرة التي تعتري الاتفاق، فإنه يمثل تسوية تاريخية بين الجانبين.
وهكذا، تم استبدال الرفض المتبادل بالاعتراف المتبادل. وضعت غزة ومدينة أريحا في الضفة الغربية تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية كخطوة أولى في عملية تدريجية تهدف إلى حل جميع القضايا العالقة بين الجانبين. كانت لحظة دراما عالية وآمال كبيرة.
لقد رأت منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاق أوسلو سبيلاً لتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967. ولكن الأمر لم يكن كذلك. إذ استغلت إسرائيل هذا الاتفاق، لا لإنهاء الاحتلال، وإنما لإعادة تموضع قوات الاحتلال. ولم يكن عرفات هو الشخص المسؤول بشكل أساسي عن تحطيم الآمال المعلقة على الاتفاق، كما روّجت الدعاية الإسرائيلية مراراً وتكراراً، بل هو بنيامين نتانياهو.
فقد شهدت عملية أوسلو الكثير من الصعود والهبوط، ولكن تم التخلي عنها أخيرًا بعد فشل جولة المحادثات التي رعتها الولايات المتحدة في عام 2014 بين نتانياهو ومحمود عباس، وذلك على الرغم من جهود جون كيري، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، وتصميمه على التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام. لكن كان الأمر ضرباً من العبث، لدرجة ان عددا من وسطاء السلام الموالين لإسرائيل أشاروا بأصابع الاتهام إلى إسرائيل لمسؤوليتها عن فشل جهود السلام. فلماذا فشلت عملية أوسلو للسلام؟

تفسيران مختلفان
هناك تفسيران مختلفان جذريا. يؤكد نتانياهو أن اتفاق أوسلو محكوم بالفشل منذ البداية لأنه يتعارض مع متطلبات الأمن الإسرائيلي ومع الحق التاريخي للشعب اليهودي في كل أرض إسرائيل والتي تشمل «يهودا والسامرة»، الأسماء التوراتية للضفة الغربية. لكن الاتفاق كان خطوة متواضعة في الاتجاه الصحيح، بيد انه تلقى ضربة قاتلة بتولي حزب الليكود اليميني السلطة بزعامة نتانياهو.
فحين كان زعيما للمعارضة، قاد نتانياهو الهجوم على اتفاق أوسلو عندما تم تقديمه لأول مرة للتصويت في الكنيست. واتهم رئيس الوزراء آنذاك، إسحق رابين بأنه أسوأ من نيفيل تشامبرلين، لأن تشامبرلين (رئيس وزراء بريطانيا من 1937 ــــ 1940، الذي اتُهم بالتساهل مع هتلر) وضع دولة أخرى في خطر، بينما فعل رابين ذلك مع شعبه.
ومن المعالم البارزة الأخرى على طريق السلام، كان اتفاق أوسلو الثاني في سبتمبر 1995 الذي ندد به نتانياهو واعتبره استسلاما للإرهابيين ومذلة وطنية، وتعهد بإسقاط الحكومة التي وقعت الاتفاق. وألقى خطابا نارياً في مسيرة جماهيرية حاشدة في القدس رفع فيها المتظاهرون تمثالا لرابين بزي نازي. وواصل نتانياهو الاضطلاع بدور نشط في حملة التحريض ضد حكومة حزب العمل، وانتهى الأمر باغتيال رابين في نوفمبر 1995.
وقد رفضت ليا، أرملة رابين، مصافحة نتانياهو عندما جاء ليعزيها في الجنازة. لكنها استقبلت ياسر عرفات في منزلها عندما جاء للتعزية. وأوضحت أن مصافحة عرفات ترمز إلى أملها في السلام، في حين أن مصافحة نتانياهو لا تمثل أملاً أبداً.

أداة لا شريك
وكان نتانياهو قد فاز على شمعون بيريز بهامش أقل من ٪1 في انتخابات مايو 1996، وبدأ على الفور في إبطال إرث السلام الذي ورثه من أسلافه في حزب العمل، واستغل ثلاث سنوات له في السلطة في محاولة ناجحة لتجميد وتشويه ومن ثم تقويض اتفاقات أوسلو. لقد تعامل مع السلطة الفلسطينية ليس كشريك على قدم المساواة في عملية السلام، وإنما كأداة معيبة بيد الأمن الإسرائيلي. وواصلت اسرائيل توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، في انتهاك صارخ لنص وروح أوسلو. وهكذا اصبح لدينا عملية بلا سلام. في الواقع، لم يتبق من عملية السلام سوى تمثيلية أعطت إسرائيل الغطاء الذي تحتاجه لمواصلة المشروع الاستعماري العدواني في الضفة الغربية.
في فترة ولايته الثانية كرئيس للوزراء، وتحت ضغط أميركي قوي، أقر نتانياهو على مضض بالحاجة إلى دولة فلسطينية، لكن رؤيته لهذه الدولة كانت بمنزلة سلسلة من الكانتونات المنزوعة السلاح من دون تواصل جغرافي. وعلاوة على ذلك، استحدث شرطا جديدا: ضرورة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي قبل التوصل إلى أي اتفاق. لقد وضع نتانياهو على هذا الشرط، مع علمه أنه لا يمكن لأي زعيم فلسطيني أن يقبل به لأنه سيضفي المشروعية على المشروع الصهيوني، وهو المشروع ذاته الذي ما زال ينكر قيام الدولة الفلسطينية.

فصل عنصري
فالبرنامج السياسي لحزب الليكود لا يقبل بدولة فلسطينية، حتى وفقاً لهذه الشروط السخيفة. ففي الفترة التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية عام 2015، عاد نتانياهو إلى ترديد رفضه قيام الدولة الفلسطينية. وأكد بشكل قاطع أنه لن تقوم مثل هذه الدولة فلسطينية، طالما كان رئيساً للوزراء. وحث الناخبين اليهود على الخروج والتصويت، لأن العرب كانوا يذهبون إلى مراكز الاقتراع «بأعداد كبيرة». والعرب الذين أشار اليهم نتانياهو ليسوا سكان الضفة الغربية، الذين ليس لهم أي حقوق سياسية على الإطلاق، بل المواطنون الفلسطينيون في دولة إسرائيل الذين يفترض ــ نظرياً على الأقل ــ أن يتمتعوا بالمساواة الكاملة أُسوة بالمواطنين اليهود. فالمساواة، بطبيعة الحال، تعتبر عنصراً أساسياً من عناصر الديموقراطية.
وكما قال أحمد الطيبي، العضو الفلسطيني في الكنيست، فإن إسرائيل دولة ديموقراطية لليهود فقط، ولكنها دولة يهودية للعرب. ومع ذلك ينظر البعض لإسرائيل على انها ديموقراطية، بالمعنى الضيّق للكلمة، لمجرد سماحها بحق التصويت للمواطنين العرب. أما إسرائيل الكبرى التي تشمل مستعمراتها في الضفة الغربية، فليست ديموقراطية قطعاً. إنها نظام إثنوقراطي، أي نظام سياسي تتحكم فيه مجموعة عرقية واحدة على المجموعات الأخرى. ولكن هناك توصيف أدق لهذا الوضع. إنه نظام الفصل العنصري.

حلم بعيد المنال
لقد أزال القانون الأخير، الذي يعلن أن إسرائيل هي «الدولة القومية للشعب اليهودي»، أي شكوك عن الطبيعة العنصرية لهذه الدولة. فهذا القانون الأساسي يصبح جزءاً من دستور البلاد. وهو يؤكد أن الشعب اليهودي له الحق الحصري في تقرير المصير الوطني في دولة إسرائيل. ويتناقض هذا القانون تماماً مع إعلان الاستقلال لعام 1948، الذي يعترف بالمساواة الكاملة بين جميع مواطني الدولة «دون تمييز بين الدين أو العرق أو الجنس». كما تم الغاء الاعتراف باللغة العربية كلغة رسمية إلى جانب العبرية، وأصبحت «لغة خاصة»!
لقد أعاد نتانياهو ــ بشكل جذري ــ تعريف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، بدلاً من كونها دولة يهودية وديموقراطية. وطالما بقيت الحكومة، التي سنّت هذا القانون في السلطة، فإن أي اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين سيظل حلماً بعيد المنال.
واللافت للنظر بالنسبة لنتانياهو هو أنه خلال مسيرته السياسية الطويلة، لم يطرأ أي تطور في رؤاه السياسية على الإطلاق. فقد سبق أن وصفه اسحق شامير، رئيس الوزراء الليكودي المتشدد في التسعينات بأنه «ضحل عبثي ومدمر للذات، ومن السهل ان يخضع للضغوط». وأكد شامير أن السلام هو وهم، لأنه بغض النظر عما قد يقوله العرب علانية، فإن هدفهم الحقيقي هو رمي اليهود في البحر. وكانت مقولته المفضلة هي ان «العرب هم العرب والبحر هو البحر». ولكن مقولته غير المشهورة كالأولى هي أن «البحر هو البحر ونتانياهو هو نتانياهو».

الوسومإسرائيل اليهود نتانياهوالمصدر : القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *